الاجابة
السؤال:ـ لعلكم في مستهل هذا
اللقاء – حفظكم الله - تتحدثون عن سرعة الأيام ونحن أيضًا نودع سنة ونستقبل
سنة، والحكمة من ذلك وكيف يحاسب المرء
نفسه؟
الجواب:ـ بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ صَلِّ
وَسَلِّمْ وَبَارِكَ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ
وأصَحْابِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ.
الله-
- جَلَّ وَعَلاَ- خلقنا ورزقنا وأخبرنا في كتابه العزيز أنه سيجمع الخلق كلهم في
يومٍ لا ريب فيه، ( رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ
لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (يَوْمَ تَأْتِي
كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا)، أخبرنا - جَلَّ وَعَلاَ- أن
الدنيا منقضية وإن هذه الحياة منقضية قال - جَلَّ وَعَلاَ-: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ
وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) وقال: ( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ
أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) وقال
- جَلَّ وَعَلاَ- (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ*
وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) فالدنيا دار مر لا
دار مقر، دار عملٍ لا جزاء والآخرة هى المقر ودار الجزاء، على المرء أن يستعد
للقاء الله، قال موسى لقوم فرعون: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا
هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ*
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ
ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) .
فيا
أخواني: الأيام تمضي وكل إنسان بما قُسم له؛ يَقُول الرَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ): « إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ
أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً
مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ
فَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» كل ذلك مُبين
في كتاب الله. وأخبر اللهُ - جَلَّ وَعَلاَ- فيما يختص بعلمه: ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ
عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا
تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ
تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) وقال - جَلَّ وَعَلاَ- (وَلَنْ يُؤَخِّرَ
اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) .
انقضاء الشهور الأعوام والأيام منذرٌ للعبد بانقضاء هذه الحياة الدنيا، وانه ليس
أحدًا باقيًا على ظهرها، لابد من هذا الموت، (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ
مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ
الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) . إذًا علينا أن نستغل
حياتنا فيما يُرضي الله عنا، بادروا بالأعمال الحسنة يَقُول الرَسُولُ اللَّهِ
(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ): «هَلْ يَنْتَظِرُ أَحَدُكُمْ إِلا غِنًى
مُطْغِيًا، أَوْ فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا
مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ، وَالدَّجَّالُ شَرُّ
غَائِبٍ يُنْتَظَر، أَوِ السَّاعَةَ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ» وأمرنا
(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ): أن نغتنم خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَنا
قَبْلَ هَرَمِنا، وَصِحَّتَنا قَبْلَ سَقَمِنا، وَغِنَانا قَبْلَ فَقْرِنا،
وَفَرَاغَنا قَبْلَ شُغُلِكَ، حَتَى نَسَّتَقِيْم عَلَى طَاعْةِ رَبِنَا، ونلقى
الله إن شاء الله بعملٍ صالح خاصٍ لوجهه الكريم. ( يَا
أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) .
فلا بد من لقاء الله ولابد من العرض على الله، ولابد من أهوال يوم القيامة، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ
اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ
تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ
حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ
عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ )
فيا
أخواني سارعوا إلى خير، (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ
عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) وفي الحديث:
« ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي
النَّاسِ يُحِبُّوكَ» فالزهد في الدنيا عدم التعلق بها، وان المرء لا بد أن يذهب
منه، وفي الحديث: « كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»،
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: "إِذَا أَمْسَيْتَ، فَلَا تَنْتَظِرِ
الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ
صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِك".
فيا
أخواني مرور الأعوام عامًا بعد عام؛ هذا عام ستة وثلاثين وأربعمائة وألف أوشك على
الإنتهاء ويأتي بعده سبعة وثلاثين وهكذا الأيام بعضها البعض حتى ينقضي العام وغيره
من الأعوام، نسأل الله ختام خير وأن يوفقنا لأن نتزَّود من الأعمال الصالحة، (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) .