تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
بسمالله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين أيها الأخوة سلام الله عليكم ورحمته وبركاته: في بداية هذا اللقاء أتوجه إلى الله عز وجل بالشكر على أن منّ بهذا اللقاء، ثم أتوجه أيضاً بالشكر إلى هذه المؤسسة الخيرية التي واصلت وما تزال تواصل هذه الوظيفة التي هي وظيفة الأنبياء والمرسلين ذالكم هو الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بكل أشكالها وصفاتها. أيها الأخوة سمعتم من المقدم أن هذه المحاضرة ستكون عن أعمال أيام التشريق، وعن طواف الوداع، وأحكام أفعال الحاج في هذه الأيام. أيها الأخوة إن من نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده أن شرع لهم مواسم فاضلة يتقربون إلى الله سبحانه وتعالى بطاعته، وله سبحانه فيها نفحات يجعلها لمن يشاء من عباده، فالسعيد من اغتنم هذه المواسم وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات لعله أن تصيبه نفحة من تلك النفحات فيسعد بها سعادة لا يشقى بها أبدا، ومن هذه المواسم أيها الأخوة مواسم أو موسم الحج وقد ورد في فضله أثار كثيرة بلغت حدت التواتر منها على سبيل المثال: قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبي هريرة رضي الله عنه: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" متفق عليه، ولا نطيل في فضل الحج وأعماله وإنما ندلف إلى موضوعنا وهو أعمال أيام التشريق وطواف الوداع. أعمال التشريق أو أعمال أيام التشريق: في اليوم الأول: وهو يوم العيد: نبيكم صلى الله عليه وسلم رتب الأعمال كالآتي: أولها: رمي جمرة العقبة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة عليه الصلاة والسلام، والثاني: هو النحر، والثالث: هو الحلق أو التقصير والرابع: هو الطواف بالبيت والسعي لمن كان متمتعاً أو لم يسعى مع طواف القدوم بالنسبة للقارن والمفرد، وكما قلت السنة للحاج أن يأتي بها مرتبة كما فعل نبينا صلى الله عليه وسلم، ولكنه إن قدم أو أخر بعض هذه على بعض فإنه يجوز والحالة هذه وقد سأل نبيكم عليه الصلاة والسلام عن من قدم بعض هذه عن البعض الآخر فقال: "افعل ولا حرج"، وذلك تيسير منه عليه الصلاة والسلام لهذه الأمة، إذا عمل الحاج اثنين من ثلاثة وأعني بالثلاثة رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير أو الطواف إذا عمل اثنين من هذه الثلاثة فقد حل التحلل الأول، ويباح له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، فإذا جاء بالثالث أي كان من هذه الثلاثة وبخاصة طواف الإفاضة لأن الناس يؤخرونه فقد حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام حتى النساء وهذا ما يسمى بالتحلل الثاني، نذكر بعض الأحكام المتعلقة بالجمرات:- أولاً: رمي جمرة العقبة: الجمرة عبارة عن حصاة متوسطة بين الحمص والبندق، وبناءاً على ذلك فلا تجزئ الصغيرة ولا تجزئ الكبيرة أيضا، كما أنه لا يجوز أن يرمي الإنسان بنعله أو بعصاه أو بشيء مما يحمله فهذا من فعل الجهال لأن المفروض في الحاج أن يكون متبعاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل إن بعضهم يتكلم بكلماتٍ ليست بجيدة عند هذه الجمار من سب للشيطان ومن ذكر لما تعرض له من هذا الشيطان، والسنة كما علمتم أن يأتي الإنسان إلى هذه الجمرات فيرميها كما رماها نبينا صلى الله عليه وسلم كل جمرة لوحدها قائلاً: "الله أكبر الله أكبر" هكذا روي عن نبيكم صلى الله عليه وسلم، ورمي الجمرات رمي جمرة العقبة في اليوم الأول وقته: من بعد ضحى شمس يوم العيد إلا لمن رخص له النبي صلى الله عليه وسلم من الضعفة والمساكين فإن هؤلاء يرمون بعد منتصف الليل، فإذا تقدموا ورموا فإنهم سيجدون فسحة لهم ولمرضاهم، أما من عدى ذلك، فينبغي له أن يتمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وبخاصة أن بعض الحجاج قد أتى من مكان بعيد وتجشم المصاعب وربما انقطع به السير أياماً وليالي، وربما أنفق ما عنده كله فإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يحج حجاً على وفق سنة محمد صلى الله عليه وسلم وقد قال: "خذوا عني مناسككم"، ثم بعد أن يرمي هذه الجمرة. ثانياً: الحلق أو التقصير: كما قلتُ يحلق رأسه والحلق أفضل لأن نبيكم صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثا ثم دعا للمقصرين في المرة الرابعة وهذا دليل بلا شك أن الحلق أفضل من التقصير إن بعض الناس ربما يبخل أو يظن بشعره، ولكنه إذا سمع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء المحلقين فإنه ربما استجاب إلى ذلك فإن لم فعليه التقصير، والتقصير أيها الأخوة يكون من جميع الشعر ولا يكون من جانب دون جانب لأن الوارد التقصير للشعر والتقصير للشعر يشمل كل الشعر وليس بعضه، وإن بعض المفتين قد يُفتي بأن يقص بعضه ويترك البعض الآخر وهذا مخالفٌ لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، والتقصير كما هو للرجل فهو أيضاً للمرأة، المرأة لا يصح ولا يجوز لها أن تحلق رأسها وإنما هو التقصير وبذلك تجمع ظفيرتيها ثم تقطع منها قدر أنملة هذا هو الواجب في حق النساء، إن بعض النساء ممن تقص شعرها قصات معينة تظن أيضاً بأن يقصر من رأسها كله لكن هذا مخالفٌ لهدي نبيكم عليه الصلاة والسلام، إذا جاء يحلق رأسه فإنه يقدم الجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر كما فعل نبيكم صلى الله عليه وسلم، ثم إنه عليه الصلاة والسلام وزع شعر رأسه بين الحجاج كما رواه الإمام مسلم، وبعض الحجاج أيضاً لا يكتفي بأن يترك بعض الرأس إنما يتركه على صورة قزع، والقزع لا يجوز في أصح أقوال العلماء؛ بل قد حكاه بعضهم إجماعا، إن بعض الحجاج وهو في هذا المقام ربما يؤذي الحجاج إما بشعر رأسه، وإما بما يسيل منه ومن غيره، فينبغي لمن يتولون هذه المهنة أن يكفوا عن أذى الناس في طرقاتهم وبالتالي يجب على الجهات المختصة أن تنظم ذلك منعاً لإيذاء الحجاج، هذا هو العنصر الثاني كما قلت لكم قبل قليل. ثالثا:  النحر: نفصل فيه بعض الشيء فنبيكم عليه الصلاة والسلام لما حج حجة الوداع ساق مائة من الإبل ثم في هذا اليوم نحر عليه الصلاة والسلام ثلاث وستين عدد سنين عمره عليه الصلاة والسلام، ثم أمر علياً أن يكمل الباقي ثم أمر بأن يقتطع له من كل ناقة أو من كل جمل قطعة ثم جمعت في قدر وطبخت وأتي بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأكل منها هو وعلي رضي الله عنه، ومن السنة أن ينحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى ولا يعطي الجزار منها إنما يعطيه أجُرته من عنده وإذا أراد الجزار أن يأخذ منها فليأخذ كما يأخذ سائر الناس. أيام التشريق: الأصح من أقوال العلماء أنها اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر وذهب بعض العلماء إلى أنها أربعة وأدخل فيها يوم العيد؛ ولكن الأرجح إن شاء الله هو الرأي الأول، وهذه الأيام هي الأيام المعدودة في قول الله سبحانه وتعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ)، وهذه الأيام كما جاء عن نبيكم صلى الله عليه وسلم أنها أيام أكل وشرب لا يجوز صيامها إلا لمن كان عليه فدية ولم يستطع أن يأتي بها فيصوم هذه الثلاث الأيام لقول الله عز وجل: (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)، هذا أما الأمر الثاني هو أنها أيام ذكر فقد سمعتم ما قال الله سبحانه وتعالى فيها وأيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها: "إنها أيام ذكر"، فينبغي للإنسان أن يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الأيام ذكراً كثيرا، لأن ذكر الله سبحانه وتعالى سواءً كان ذكراً مطلقاً أم كان في أدبار الصلاة فإنه أمرٌ أو شعيرةٌ عظيمةٌ أمر الله كما قلت وأمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم، أيام التشريق كما قلت لكم أيام أكل وشرب، وأيام ذكر لله سبحانه وتعالى، اليوم الثاني: وهو اليوم الحادي عشر يشرع للإنسان فيه أن يرمي الجمرات الثلاث: الجمرة الصغرى، ثم الوسطى، ثم الكبرى مرتبة، ولا يجوز تنكيسها لأن نبينا صلى الله عليه وسلم فعل ذلك بدون تنكيس، وإذا كان الإنسان يرمي عن نفسه ومتوكلٌ عن غيره فإنه يرمي في موقف واحد بادئاً بنفسه ثم بعد ذلك بمن وكله، ولا يلزمه أن يرمي لنفسه ثم يأتي من الأول ويرمي لمن وكله، فإن هذا صحيح وفيه يسرٌ على الحاج، وقت الرمي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر من بعد زوال الشمس إلى غروبها بل يمتد إلى يوم فجر اليوم الثاني عشر لقول النبي صلى الله عليه وسلم  رميت بعد إذ أمسيت فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بأن ذلك جائز. المبيت بمنى: المبيت بمنى واجبٌ على الحاج أن يبيت بمنى أن يبيت ليلتين إذا أراد أن يتعجل أو ثلاث إن لم يتعجل، فإذا لم يبت ليلة واحدة أخرج أو تصدق بشيء في ذلك، أما إذا لم يبت ليلتين أو الليلة الثالثة إذا لم يتعجل فعليه بدم أفتى بذلك جماعة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضاً مما يستدل به هنا أن نبينا عليه الصلاة والسلام رخص للسقاة والرعاة والرخصة كما يقول الأصوليون تكون في مقابل العزيمة، فمعنى ذلك أن المبيت في أصله عزيمه، ولكنه رخص لهؤلاء لأن لديهم أعذارا ويلحق به في أيامنا هذه الجنود والأطباء الذين لا يستطيعون أن يبيتوا في منى لهذه الأعمال التي كلفوا بها وفيها مصلحة للمسلمين وبخاصة في هذا الموقف. ما الذي يجب أن يجلسه الإنسان في مبيته: يقولون يجب عليه أن يبيت معظم الليل حتى لو سئل أين بتَ فيقول بتُ في منى، أما من لا يأتي إلا ساعة أو ساعتين فهذا إما جاهلٌ وإما إنسان غير حريص على تأدية هذه الفريضة كما أداها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ومما يلاحظ أيها الأخوة أن بعض الحجاج إذا أخذوا حملات أو تعاقدوا مع حملات لأن يحجوا بهم فإنهم يختارون من الخيام ما كان خارج منى بادئ ذي بدء من هنا من الرياض أو من غيره لأن الحملات كل ما كانت قريبة إلى الجمرات كانت أغلى وكل ما بعدت كانت أرخص ولذلك تجد الحاج من هنا يقدم نية أنه لا يريد أن يبيت في منى فهذا والعياذ بالله مصرٌ على عدم الإتيان بهذا الواجب، لكن الإنسان إذا ذهب إلى منى ولم يجد فيها مكان يبيت فيه فإنه يبيت في أقرب مكان إلى منى لأن المجاور للشيء يأخذ حكم الشيء بهذا أفتى بعض علماءنا سواء كان من اللجنة الدائمة أم كان من غيرهم، والإنسان إذا أراد أن يتعجل فعليه أن يبيت الليلة الأولى والليلة الثانية وأن يرمي الجمرة في اليوم الحادي عشر والثاني عشر ثم يخرج قبل غروب الشمس، لأنه لو غربت الشمس وما زال ناكثاً في مخيمه فإن عليه أن يبيت الليلة الثالثة، لكن إذا كان الإنسان قد أعزم على الخروج ولم يبقى إلا أن يخرج بعفشه وسيارته لكن خط السير عرقله فجلس أكثر مما يجب فإن هذا يعتبر كأنه خرج في الوقت المحدد، يقول علماءنا رحمهم الله: أن التأخر أفضل من التعجل لكن لا تثريب على الإنسان المسلم أن يتعجل لأن في ذلك ربما قضاءً لبعض أموره التي تشغله، وإن كان الواجب على الجهات المسئولة أن تنظم الناس في دفعاتهم سواءً في اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر مخافة أن يحصل شيء من التزاحم ويتضرر الحجاج بذلك، وبخاصة أنبه على حالة أراها كل عام وهو أن الذين لم يكونوا في حملات وإنما يمشون أو يركبون من هنا أو هناك إذا جاء اليوم الثاني عشر حملوا أمتعتهم على ظهورهم ثم جاءوا إلى قريب من الجمرة الصغرى وتكونوا هناك فإذا انطلق الإذن بالرمي تدافعوا ودعس بعضهم البعض الآخر، وربما أوقعوا قتلا في مثل هذه الأعمال إن الحاج لم يأتي إلى هذه الأماكن المقدسة ليسيء إلى إخوانه ولا أن يسيء إلى نفسه إنما هو حج، ينبغي أن يكون محوطاً بالرحمة والرأفة كلٌ يرحم أخاه وكلٌ يعطف على أخيه وليس الثواب ولا الأجر بهذه المدافعة إنما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "السكينة السكينة"، على أن بعض الحجاج هداهم الله يجلسون في الطرقات التي يذهب فيها يذهب فيها الناس أو يأتون إلى الجمرات أو إلى غيرها فيؤذون الناس وربما آذوا أنفسهم قبل ذلك. رابعا: طواف الوداع: وهو آخر فقرة في هذا الدرس، فإن طواف الوداع واجبٌ على كل حاج، لأن نبيكم صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين معه أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه رخص للحائض والنفساء رخصة من الشارع لهؤلاء النسوة حتى لا يعيقوا من معهم عن السفر في الوقت المناسب، وطواف الوداع إذا أخره الإنسان إلى طواف الإفاضة وطاف بنية طواف الإفاضة ومعه طواف الوداع أجزأه ذلك، ولا يجوز للإنسان أن يترك هذا الواجب، لأن بعض الطلاب العلم ربما يقول بعدم وجوبه أو يقول بأنه سنة هذا ليس بصحيح؛ بل هو واجب ومن تركه فعليه دم، طواف الوداع يجب أن يكون هو آخر الأعمال، وإن كان هناك فتاوى تقول بأن الإنسان إذا طاف طواف الإفاضة ومعه طواف الوداع ثم ذهب إلى منى فإنه لا يعود إلى البيت مرة واحدة إنما يقضي اليوم الحادي عشر والثاني عشر ثم يرجع إلى أهله هذا القول فيه نظر، فالذي يفهم من الحديث ويفهم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن فعل صحابته بعده إلى يومنا هذا أنه هو آخر عمل يقوم به الحاج ولذلك سمي طواف الوداع، طواف الوداع هو آخر أعمال الحج، ولذلك لا يجوز للإنسان أن يجلس بعد طواف الوداع إلا أن يجهز نفسه للسفر فإن جلس بعد ذلك أو نام فيجب عليه أن يأتي به مرة ثانية لأنه لم يكن طواف وداع، وبالمناسبة فإن هناك بعض طلاب العلم ربما يفتون بأشياء يرون أن فيها تسهيلاً ويسراً على الإنسان، ولكن شريعة الإسلام ولله الحمد والمنة هي شرعت ميسرة لا حرج فيها وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من الأعمال في هذه الشعيرة، فإنه ميسر على الإنسان وليس فيه عنت ولا مشقة ولله الحمد والمنة، فالإتباع كل الإتباع في إتباع محمد عليه الصلاة والسلام فيجب على هؤلاء أن لا يتسرعوا في الفتوى بدون علم، كما يجب على الحجاج أن يسألوا الجهات التي وليت الإفتاء في ذلك، فإن ذلك أبرئ لذممهم وأصح لحجهم إن شاء الله، أقول قولي هذا واستغفروا الله لي ولكم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
standard