بيَّن معالي الشيخالدكتور/صالح بن عبدالله بن حميد في محاضرة له في ملتقى (سيرة خاتم المرسلين) موقف المسلم مما ظهر من رسوم وصور، مراد صانعيها الاستهزاء بنبينا محمد صلى الله
عليه وسلم، وسنبين الموقف في ثلاثة عناصر:
أولًا: ما المطلوب تجاه هذا الحدث.
ثانيا: ما الوسيلة لمواجهة هذا الحدث.
ثالثاً: ما النتيجة والأثر لهذه الإساءة لنبي الرحمة.
أولًا: المطلوب: 1- نشر سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم،
والحديث عن خصائصه وشمائله عليه الصَّلاة والسَّلام في أوساط المسلمين وغير
المسلمين، على المستوى الخاص والعام، وعلى مستوى الأسر والأفراد، والمنهاج
التربوية، والطلاب وكل الشرائح هذه حقيقة واحدة، نبين سيرته صلى الله عليه وسلم
وهي محفوظة، فلا يوجد شخصية في التَّاريخ حفظت سيرتها، كما حفظت سيرة نبيِّنا
محمَّد صلى الله عليه وسلم وهذه من أهمِّ خصائص نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه
وسلم؛ والله قد جعل هذا الدِّين هو الخاتم الأديان، وجعل محمَّدًا صلى الله عليه
وسلم هو القدوة، فحفظ لنا سيرته في كتاب الله عزَّ وجلَّ، وفي صَّحيح سنته عليه
الصَّلاة والسَّلام حتَّى نقل لنا دقائق وتفاصيل حاله مع أهل بيته حتَّى وهم في
الفراش، وحاله في السَّفر والحضر، ومع الصَّديق ومع العدو، ومع الحاضر، ومع
البادية، وفي البيت وفي المسجد، وفي السُّوق وبشكل لا يوجد لتاريخ أحد قبله ولا
بعده، وبطريقة موثقه، وذلك لعظم مقام نبيِّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، لأنَّه
القدوة، ولما أمرنا ربُّنا سبحانه وتعالى بأن نقتدي به حفظه لنا، حفظ لنا سيرته
صلى الله عليه وسلم النبوية، وحتى سيرته حتَّى البشرية عليه الصَّلاة والسَّلام،
وهو نموذج وقدوة أيضًا من البشرية؛ لأنَّ سيرته تشريع للبشر، والبشر يخطئون
ويصيبون، فكان أيضًا بشراً حتَّى أنَّه نسي عليه الصَّلاة والسَّلام وقال: نسيت
لأشرع قال صلى الله عليه وسلم ، فكلُّ ما صدر منه عليه الصَّلاة والسَّلام تشريعٌ،
وإن كان العلماء ذكروا ما يتعلق بالسُّنَّة، كما قالوا: التَّقريرية، والسُّنَّة
الفعليَّة، والسُّنَّة القوليَّة، وأيضًا قالوا: السُّنن الجبليَّة، وما يتأسى به
في موضوع الجبليَّة، وما لا.. على كلِّ حال الكلام طويل، لكن المقصود: أنَّ سيرته محفوظة
في الكتاب وفي السُّنَّة، ومن هنا علينا أن ننشر هذه السيرة.
2- العلماء المتقدمون حفظوها لنا كذلك، ودونوا
دقائق، دقائق عجيبة في ما يسمى بالخصائص، وما يسمى بالشمائل، وما يسمى بالسيرة،
فعندنا سيرة، وعندنا خصائص، وعندنا شمائل كلُّها لها معانيها ولها كتبها.
كذلك أيضًا الأمور الَّتي
جلاها هذا الحدث، هو كشف الباطل والزيف والشُّبه والإساءات والتشكيك، لاشك أنَّه
تبيَّن لنا ما هي الأشياء، والجوانب الَّتي لم يعرفها المسلمون المعاصرون،
والأعداء، أو بعض الأشياء، الشُّبه، أو الالتباسات، أو الزيوف، أو التعمد من
البعض للباطل، كلّ هذه تبين بحيث نتصدى
لها ونكتب فيها، ونؤلف.
وإن كان الاستهزاء حصل حتَّى
في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد من بعده، وتولى القرآن والسُّنَّة
الرَّد على تلك الأمور، ويحدث أشياء جديدة، والمسلمون والحمد لله فيهم أهل
العلم والفضل من ينبري، ومن ينفتح الله عزَّ وجلَّ عليه في ردِّ كل ما قد يرد من
شبه.
كذلك أيضًا تبيّن لنا وعلينا التَّمسك بديننا، ولزوم سنَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم ، فأعظم
ما ظهر من حبنا لمحمَّد صلى الله عليه وسلم الالتزام بسنته، واتباعه صلى الله عليه
وسلم حقيقة تحقيق شهادة أنَّ محمَّدًا رسول الله أن نطيعه فيما أمر وأن نصدقه فيما
أخبر، وأن ننتهي عمَّا نهى عنه وزجر، وأن لا نعبد الله، ولا نتقرب إلَّا بما شرع
صلى الله عليه وسلم
فهذا كلُّه يحتاج إلى مزيد بيان للنَّاس في
معناه، وفي طريقة ممارسته وطريقة الامتثال والاتباع، على كلِّ حال الكلم كثيرٌ.
ثانيا: الوسيلة: كيف نصل إلى هذه القضايا
ونحققها وخاصة في أوساط غير المسلمين، أو المقصرين من المسلمين، والمزيد للمؤمنين،
فالإيمان يزيد ويزداد، ولا شكَّ فالإنسان كلما عمل عملًا يتقرب إلى الله عزَّ
وجلَّ يزيد إيمانه ويترقى في درجات
الكمال.
فمنها: أنَّ الدَّعوة
والإنكار يجب أن يكون بعلم وفقه، أظهر المسلمون في هذا الحدث مشاعر جميلة، والحمد
لله، وحقائق أثرت في الأعداء، وأظهرت قوة المسلمين كما سنرى في النتائج إن شاء
الله.
لكن أيضَا ينبغي أن يحرص
كلُّ غيور، وخاصة من صغار طلبة العلم، الغيورين الَّذين أحينًا يحتاجون إلى مزيد
فقه، ومزيد علم، نحتاج إلى أن يكون حديثنا أو موقفنا مبني على علم وفقه، وأن ننطلق من أهل العلم، بالأحكام الشريعة، فالعاطفة وحدها لا تكفي، وإن كان يثاب المؤمن على
قصده وعلى نيته وعلى عاطفتيه؛ لكن المهم الأثر بالفعل أن لا يعود علينا فعلنا بأثر
سلبي أكبر.
كذلك على أهل العلم والدعوة
توجيه المسلمين، وتشجيعهم وتفقيههم، فلا نتخاذل في هذا الباب؛ لكن نفقههم نضبط
انفعالاتهم وتصرفاتهم هذه قضية مهمة جدًا، وإن كان والحمد لله أظهرت هذه القضية
اقتراب عموم النَّاس من أهل العلم؛ بل حتَّى أظهرت مواقف والحمد لله بين ولاة
الأمور والعلماء وأيضًا عموم أفراد الأمة عامة.
ولتأمل هذه الآية، وهي قول الله عز
وجل: (إِنَّا
كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ )، نحاول أن نقرأ الآيات قبلها والآيات بعدها الله عزَّ وجلَّ يقول:( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ
وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ*
الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ* وَلَقَدْ
نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ* وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: ٩٤ - ٩٩ ]، سياق هذه الآيات فيها
التوجيه الإلهي لنبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم وهو يتلقى كلمات المستهزئين،
وحركات المستهزئين، وتصرفات المستهزئين، قال له:( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ
الْمُشْرِكِينَ)
أمره بالصدع والإعراض، ولم يقل أصدع بما
تأمر وواجه وجابه المشركين، لاشك أنَّ المجابه لها أحوالها ولها أجواؤها لا نقول:
طبعًا لا توحد مجابهة، قد تحصل لكن أحيانًا، ولكن عليك أن تأمر وتعرض، لا
يلزم أنَّك تواجه الله سيكفيك هم.
فالاستهزاء بالنَّبي صلى
الله عليه وسلم هذا سنَّة ممن تلقاها المرسلون كلهم: (وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) [الأنعام: ١٠] فهذا لا
ينال من جناب نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم أبدًا البتة، ولو استهزءوا، ولن
يقف الاستهزاء. ومحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم
حينما رجع من الطَّائف، وكان قد تلقى ما تلقى من المستهزئين الَّذين رموه بالحجارة
حتَّى أدموا قدميه عليه الصَّلاة والسَّلام وجاءه ملك الجبال، فقال: "إِن
شِئْتَ أَن أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ"، قال: "لا، بَـلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْـلَاِهِـمْ مَنْ
يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا".
فإذًا الوسيلة هي أن
نضبط انفعالاتنا هذا مقصودي، ولهذا قال الله عزَّ وجلَّ له: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ
يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) فضيق الصدر لا ينبغي أن يدفعنا إلى أن ننفعل انفعالات غير محسوبة
العواقب، فعلى الأقل يضيق صدرنا؛ لكن نعلم أن الأمر ليس إلينا، ولله سبحانه وتعالى
له الحكمة الظاهرة في أن جعل للرُّسل أعداء: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً
مِنْ الْمُجْرِمِينَ) ثُم قال
بعدها: (وَكَفَى
بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً) [الفرقان: ٣١]. فالرُّسل منصورون، قال
سبحانه: (وَلَقَدْ
سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمْ
الْمَنصُورُونَ)
[الصافات: ١٧١ – ١٧٢].
فنحن مع ما عبرنا به من
مشاعر إنكار لهذا الحدث، إنَّما هو يعبر عن حبّنا الصَّادق لرسول الله r، وما عبرنا به هو دين نتقرب به إلى الله عزَّ وجلَّ، وهي نعمةٌ أن
الله منَّ علينا بهذا المشاعر، لماذا؟ لأننا لو أعرضنا لن يضر نبيَّنا محمَّدًا
صلى الله عليه وسلم ذلك شيء أبدًا لا يضره
شيئًا؛ لأنَّ الله يقول: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا
يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [محمد: ٣٨].
بل الله يمنُّ علينا أن حرك
مشاعرنا، وأن جعلنا نتصرف تصرفات إن شاء الله تسر نبيَّنا، ويرضي بها عنَّا
ربُّنا؛ لكن الأمر لله عزَّ وجلَّ، والله يعلم ما ينال نبيَّه
في حياته وبعد وفاته: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ*
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ) اشتغل بمهمتك من التسبيح والدعوة والصدع بما
تأمر إلى آخره: (وَاعْبُدْ
رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) تكليفك أن تقوم على ما كلفك الله حتَّى يأتيك اليقين، فإذًا مهمتنا
أن نضبط انفعالاتنا، وأن نرشد مسالكنا وأن نرتبط بعلمائنا، ونجتهد أن تكون
تصرفاتنا محسوبة.
كذلك من الوسائل استعمال لغة
العصر وآلياته، وتقنياته وفضائياته، وشبكات معلوماته، وإنشاء مواقع على شبكة، وهذا
والحمد لله المسلمون قد أحسنوا فيه، وينبغي التوسع فيه، ومع الترشيد واستخدام التقنية،
والاستفادة منها وتوظيف الأنسب لها.
كذلك العمل بفكر منظم
وارتباطه بمرجعية علميَّة، وشرعيَّة، مع الحرص على أن يكون عملًا مؤسسيًا، قدر
الإمكان من خلال الجمعيات، والهيئات العلميَّة،
من خلال الارتباط بأهل العلم،
ينبغي أن نترقى بفكرنا وبطريقتنا لماذا؟ لأننا في عصرأصبح
العالم كأنه مكان واحد، فالذي في طوكيو أو في الرياض أو في جنوب إفريقيا كأنك في
قرية واحدة، بسبب الوسيلة المباشرة الآن، فالقضية يجب أن نترقي بعملنا بحيث يكون عمل
مؤسسي من خلال جمعيات مرتبة هذا أجود وأكثر تأثير إن شاء الله مع الارتباط بأهل
العلم والارتباط بالمرجعية العلمية.
التواصل مع ذوي التأثير
لاحظنا أننا نحتاج أن نتواصل مع أهل التأثير من منظمات ومؤسسات كمنظمة حقوق
الإنسان ومع العقلاء والحكماء هذا لا يمنع منهم، فإذا كان النَّبي صلى الله عليه
وسلم يقصد القبائل وإلى رؤساء القبائل فلنتوجه إلى هذا لا يمنع وإن كانوا كفارًا
نهيك أيضًا والحمد لله من المسلمين أو من عقلاء المسلمين، فيكون عملنا في ترشيد
كبير، نأتي إلى النتائج والآثار.
ثالثاً: النتيجة والأثر: أولًا: الحمد لله ظهور قوة
أمَّة الإسلام حقيقةً، فقد اجتمع عليه أهل الإسلام بكل طوائفهم وفئتهم، وهذا يدل
على أن الأمَّة في خير كثير توحدها المواقف، ويجب أن نجعل من هذا مدخل بالفعل؛
لأنَّ المواطن الكبيرة الَّتي تجمع المسلمين، نحاول بالفعل نتمسك بها، لأنَّها أظهرت
قوة للأمَّة الإسلام ولله الحمد، وأنَّ الأمَّة كانت قوية وتأثرت وتحرك الأعداء
تحركات لاحظتموها وانتقلوا وحاولوا، والحمد لله ينبغي أن يقابلها تصرفات من عندنا،
كذلك أيضًا نحافظ على هذا الإنجاز الكبير؛ لأنَّ أحيانًا الصَّفات غير الحكيمة قد
يجهز بعض النتائج الكبيرة.
ومن الآثار: هذا التَّحرك الكبير الَّذي
قامت به الأمَّة على مستوى شعوبها، وحكوماتها ينبغي أن يسجل لهذه الحكومات، وتأتي
في مقدمتها حكومتنا حفظها الله، والقائمين على الإسلام فكان لها مواقف مشرفة في
هذا الباب والحمد لله، بل لها الريادة، ونحسب كثير من جاء بعدها هو كان تابعًا
لها.
ومن الفوائد: ما ظهر الحمد لله من القوة
الإيمانيةلا يزال في النفوس خيرًا كثيراً، ولا يزال في صدور النَّاس
غَيره على دينهم، وعلى نبيِّهم محمَّد صلى الله عليه وسلم وعلى دينهم وعلى قرآنهم،
فهذا أثر طيِّب يحسن الاستفادة منها، ويحسن المزيد من البحث فيها، وإبقاءها متقدة
مشتعلة.
كذلك من النتائج ازدياد
الوعي بأهمية هذا الدِّين وعظمته، وأثر الدِّين عند المسلمين، فقد تحرك المسلمون
كما جاء في الأخبار أن بعض الدُّول الَّتي تصنف إسلاميًّا غير السعودية طبعًا الَّذين
قاموا بالمظاهرات من الهيئات الإسلامية والليبرالية كلُّهم تحركوا غَيرة للدِّين،
وأثر الدِّين عند كل النَّاس حتَّى من قدر مظاهر الفسق لا يقبل أن يمس النَّبِيّ،
أو يمس القرآن، أو يمس الدِّين أو يمس محمَّد صلى الله عليه وسلم، فهذا ينبغي أن
يوظف؛ لكنه من النتائج الحميدة.
كذلك أيضًا ظهر بالفعل معنى
حقيقة الإساءة إلى الدِّين وشعور تأثير ذلك حتَّى العدوان على مقدسات المسلمين
مقدسات في رموز إن صح التعبير محمَّد صلى الله عليه وسلم القرآن، الدِّين، الله جلَّ
في علاه، هذا لا يمكن أن تمس.
وصلى الله وسلَّم على
نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
standard