قال الشيخ عبدا لرحمن بن محمد بن قاسم رحمه الله تعالى:
فصل في وداع رمضان
تقدم ما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" ولأحمد (وما
تأخر) وإسناده حسن، (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)، زاد
النسائي: (غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر).
ولأحمد عن عبادة مرفوعا في ليلة القدر: (من قامها ابتغاءها، ثم وقعت
له غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)، ولابن حبان والبيهقي، عن أبي سعيد مرفوعا:
(من صام رمضان وعرف حدوده وتحفظ مما كان ينبغي له أن يتحفظ فيه كفر ما قبله).
وعن أبي هريرة مرفوعا: (شهر رمضان، يكفر ما بين يديه إلى شهر رمضان
المقبل) رواه ابن أبي الدنيا، والتكفير مشروط: بالتحفظ مما ينبغى أن يتحفظ منه،
والجمهور على أن ذلك إنما يكفر الصغائر لما روى مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن ما
اجتنب الكبائر" وفي تأويله قولان:
أحدهما: أن التكفير مشروط باجتناب الكبائر.
الثاني أن المراد: أن هذه الفرائض : تكفر الصغائر خاصة.
وقال ابن المنذر في ليلة القدر: يرجى بها مغفرة الذنوب كبائرها
وصغائرها، وقال غيره مثل ذلك في الصوم.
والجمهور: على أن الكبائر لا بد لها من توبة نصوح، وحديث أبي هريرة:
يدل على أن هذه الأسباب الثلاثة، كل واحد منها مكفر لما سلف من الذنوب، فقيام ليلة
القدر يقع التكفير به إذا وافقها، ولو لم يشعر بها، وأما صيام رمضان وقيامه:
فيتوقف التكفير بهما على تمام الشهر.
وقيل: يغفر لهم آخر ليلة من رمضان، ويدل عليه : ما رواه أحمد عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: ويغفر لهم في آخر ليلة. قيل يا رسول الله أهي ليلة القدر؟
قال: (لا، ولكن العامل إنما يوفي أجره إذا قضى عمله).
وروى: (أن الصائمين يرجعون يوم الفطر مغفورا لهم)، (وأن يوم الفطر
يسمى يوم الجوائز).
وأخرج البزار عن معاذ رضي الله عنه مرفوعا: (من صام رمضان وصلى
الصلوات الخمس وحج البيت كان حقا على الله أن يغفر له).
قال الزهري: إذا كان يوم الفطر وخرج الناس إلى الصلاة اطلع الله
عليهم، فقال: يا عبادي، لي صمتم، ولي قمتم، ارجعوا مغفورا لكم. وقال مورق: يرجع
هذا اليوم قوم كما ولدتهم أمهاتهم.
روي عن ابن عباس مرفوعا: (إذا كان يوم الفطر هبطت الملائكة إلى الأرض،
فيقفون على أفواه السكك، ينادون بصوت يسمعه من خلق الله، إلا الجن والأنس، يقولون:
يا أمة محمد، أخرجوا إلى رب كريم، يعطي الجزيل، ويغفر الذنب العظيم، فإذا برزوا
إلى مصلاهم يقول الله عز وجل لملائكته: ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون:
إلهنا وسيدنا أن يوفى أجره، فيقول: إني أشهدكم أني جعلت ثوابهم من صيامهم وقيامهم
رضائي ومغفرتي، ارجعوا مغفورا لكم) خرجه سلمة بن شبيب. زاد البيهقي: (يا عبادي،
فوعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم شيئا في جمعكم لآخرتكم إلا أعطيتكم، ولا لدنياكم
إلا نظرت لكم، فوعزتي لأسترن عليكم عثراتكم ما راقبتموني، وعزتي وجلالي لا أخزيكم،
ولا أفضحكم بين أصحاب الحدود، انصرفوا مغفورا لكم، قد أرضيتموني ورضيت عنكم، فتفرح
الملائكة وتستبشر بما يعطي الله هذه الأمة إذا أفطروا من شهر رمضان)
الصيام وسائر الأعمال: من وفاها فهو من خيار عباد الله الموفين، ومن
طفف فيها فويل للمطففين، إذا كان الويل لمن طفف ميكال الدنيا، فكيف خال من طفف
مكيال الدين؟
غـدا توفى الـنفــوس مـا عـمـلـت ويـحـصـد الـزارعـون مـا زرعــوا
إن أحــســنوا أحـسـنـوا لأنـفسـهـم وإن أســاءوا، فـبئــسـمـا صـنعــوا
كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل، وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون
بعد ذلك بقبوله: ويخافون من رده، وهؤلاء الذين يؤتون ما آتو وقلوبهم وجلة روي عن
علي رضي الله عنه: (كونوا لقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل) ألم تسمعوا الله
عز وجل يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ
مِنْ الْمُتَّقِينَ)[المائدة:27] وعن فضالة: لأن أعلم أن الله تقبل مني مثال حبة خردل، أحب إلي من
الدنيا وما فيها، لأن الله تعالى يقول(إِنَّمَا
يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ)[
المائدة:27]
وقال مالك بن ينار: الخوف على العمل أن لا يقبل أشد من العمل، وقال
عطاء السلمي: الحذر الاتقاء على العمل الصالح أن لا يكون لله.
وقال عبدا لعزيز بن أبي رواد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا
فعلوه وقع عليهم الهم: أتقبل منهم أم لا؟
قال بعض السلف: كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه
ستة أشهر أن يتقبله منهم.
وكان بعض السلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر، فيقال له: أنه يوم فرح
وسرور، فيقول: صدقتم، ولكني عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملا، فلا أدري أيقبله مني
أم لا؟
رأي وهيب قوما يضحكون يوم عيد، فقال: إن كان هؤلاء تقبل منهم صيامهم،
فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان لم يتقبل منهم فما فعل الخائفين.
وعن الحسن قال: إن الله جعل رمضان مضمارا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته
إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من اللاعب الضاحك في
اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر في المبطلون.
روي عن علي رضي الله عنه: أنه كان ينادي في آخر ليلة من رمضان: يا ليت
شعري من هذا المقبول فنهنيه، ومن هذا المحروم فنعزيه؟ أيها المقبول: هنيئا لك،
أيها المردود: جبر الله مصبتك.
شـرح سـماحـة الشـيخ ابـن بـاز رحمه الله
هذه الأحاديث والآثار عن السلف الصالح كلها تتعلق بوم رمضان وقيامه
وما شرع الله فيه من الأعمال، وأن المؤمن على خير عظيم، إذا أحسن وأدى ما عليه
واجتهد، فهو على خير عظيم، فالله سبحانه لا يخلف الميعاد، وهو الكريم الجواد، قد
وعد عباده إذا أحسنوا أن يحسن إليهم (هَلْ
جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)[الرحمن:60] ومن أساء فباب الله مفتوح، باب الله مفتوح فليبادر بالتوبة والرجوع
إلى الله والإنابة إليه، والله يتوب عليه سبحانه وتعالى.
وهذه الأيام التي من الله بها على عباده في هذا الشهر الكريم، أيام
مسابقة أيام مسارعة إلى الخيرات، أيام السباق فمن سابق بالخيرات وسارع إليها
فليحمد الله وليسأل ربه القبول، ولا يعجب ولا يمن بعمله، ولكن يسأل ربه القبول،
ويخاف أن يرد عليه عمله بأسباب وقعت منه، فليحذر العجب، وليحذر المن بعمله، وليسأل
ربه المغفرة والعفو عن التقصير، ومن كان أساء وقصر فليبادر بالتوبة، ومن تاب تاب
الله عليه، فهو القائل سبحانه وتعالى: (وَهُوَ
الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ)[الشورى:25] وهو
القائل جل وعلا: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ
جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[النور:31] وهو
القائل جل وعلا سبحانه: (قُلْ يَا عِبَادِي
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً)[الزمر:53]
فالحاصل أن هذا الشهر الكريم، الذي هذه الليلة آخر لياليه، فينبغي
للمؤمن أن يختمه بالتوبة الصادقة، والاستغفار والإكثار من ذكر الله، بالتسبيح
والتهليل والتحميد، ويحسن الظن بالله، ورجائه جل وعلا أن يتقبل منه عمله، وأن يغفر
له ذنبه، ثم ليعزم العزم الصادق على الاستمرار في الخير، والجد في الخير، وعدم
الرجوع إلى الشر، ليعزم العزم الصادق على الاستقامة والثبات على الحق، وأن لا يرجع
إلى ما سلف منه من تقصير، لقد وعده الله المغفرة (من صام رمضان إيمانا واحتسابا
غفر له ما تقدم من ذنبه) و(من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من
ذنبه).
فهو موعود بالمغفرة في صيامه وقيامه، وقيام ليلة القدر، فليحسن الظن
بربه، وليرجو هذه المغفرة مع الخوف، والجذر أن يرد عليه عمله، ليكون راجيا خائفا
كما حكى الله عن أنبيائه ورسله، والأخبار من عباده، قال سبحانه: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً
وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)[الانبياء:90] قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ
هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ*
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ
وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ* أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ
وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)[المؤمنون:57-61]
يؤدي ما يؤدي من العمل عن جد وعن نشاط، وعن رغبة بما عند الله عز وجل،
وعن خوف ووجل أن ترد عليه أعماله، هذا حال الأخيار، هذا حال السابقين ليس على من
بالعمل ولا عجب بالعمل لا يمنون على الله بأعمالهم، ولا يعجبون بأعمالهم، بل
يعملون وهم منكسرون خائفون وجلون مشفقون يرجون الرحمة، ويخشون العقاب، ومن أجل هذا
يجود الله عليهم وحسن إليهم، ويجبر كسرهم ويعينهم ويثبتهم، ولهذا قال (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)[الأنبياء:90] (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)[المؤمنون:61]
وهم لها سابقون، سارعوا وسبقوا بسبب
توفيق الله لهم وإعانته لهم، وبسبب صدقهم، وإخلاصهم وخوفهم ورجائهم.
فأنت يا عبد الله عليك أن تتأسى بهؤلاء الأخيار في جميع أعمالك بجد
ونشاط وإخلاص وصدق، ومع ذلك تخافه وترجوه لا تمن بعملك ولا تعجب بعملك، بل كن
خائفا راجيا، بين الخوف والرجاء، قال بعض السلف: فيكن الرجاء والخوف للمؤمن كجناحي
الطائر يطير بهما، وقال بعضهم: وليغلب جانب الرجاء في تحال المرض وليتغلب جانب
الخوف في حال الصحة، حتى يكون في حال الصحة أكثر حذرا وأكثر مسارعة للخيرات، وفي
حال المرض والضعف يكون حسن الظن بالله يغلب عليه الرجاء وحسن الظن بالله، ولكن
ظاهر القرآن والسنة أنه ينبغي له أن يكون بين الرجاء والخوف، لا هذا، ولا هذا يرجو
ربه ويخاف ذنبه وحسن الظن بالله، ولكن مع هذا هو خائف أيضا فهو بين الخوف والرجاء،
كما قال الله عن رسله وأنبيائه (وَيَدْعُونَنَا
رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)[الأنبياء:90]
وقال: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ
وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً)[الإسراء:57]
نسأل الله أن يوفق الجميع لما يرضيه، ويختم لنا بالخاتمة الحسنة وأن
يجعلنا وإياكم من العتقاء من النار، ويمن علينا وعليكم بإكمال ما بقي على الوجه
الذي يرضيه، وأن يبلغنا صيامه وقيامه إيمانا واحتسابا أعواما كثيرة على الوجه الذي
يرضيه، وأن يوفق المسلمين جميعا في كل مكان لما يرضيه، وأن يمنحهم الفقه في الدين،
وأن يكثر بينهم دعاة الهدى، وأن يولي عليهم خيارهم، ويصلح قادتهم، إنه سميع قريب
وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.
standard