قال ــ رحمه الله ــ كثيرًا ما يعرض للصائم أمور لم يتعمدها؛ من
جراح، أو رعاف، أو قيء، أو ذهاب الماء، أو البنزين إلى حلقه بغير اختياره، فكل هذه
الأمور لا تفسد الصوم، وكذلك أخذ الدم للتحليل، وضرب الإبر غير التي يقصد بها
التغذية، وكذا تأخير غسل الجنابة، والحيض والنفاس إلى طلوع الفجر ــ لا يفسد الصوم
ــ وغيرها من أمور قد يخفى حكمها ــ وهي لا تفطر الصائم، ولا تفسد الصوم منها:
* دخول الماء إلى جوف الصائم من غير اختياره؟ بلع الريق
للصائم ؟
إذا
دخول الماء إلى جوف الصائم من غير اختياره، فصومه صحيح ليس عليه قضاء؛ لكونه لم يتعمد ذلك،
فهو في حكم المكره والناسي.
وكذلك لا حرج في بلع الريق ولا أعلم في ذلك خلافًا بين أهل العلم لمشقة أو
تعذر التحرز منه، أمَّا النخامة والبلغم
فيجب لفظهما إذا وصلتا إلي الفم، ولا يجوز للصائم بلعهما لإمكان التحرز منهما،
وليسا مثل الريق واللعَّاب.
* من أكل أو شرب في نهار
رمضان ناسيًا؟.
ليس عليه بأس وصومه صحيح ؛لقول الله سبحانه وتعالى في آخر سورة
البقرة: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا
أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ
عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
الْكَافِرِينَ)[البقرة:286] . وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الله قال:
"قَدْ فَعَلْتُ". ولما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ،
فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ" متفق عليه.
* حكم حقنة
الوريد والعضل للصائم.
الصحيح
في حقنة الوريد والعضل أنهما لا تفطران، وإنَّما التي تفطر هي إبر التغذية خاصة،
إذا تعمد استعمالها، أمَّا هذه الإبر العادية لا تفطر، فصومه صحيح ؛لأنَّ الحقنة
في الوريد ليست من جنس الأكل والشرب، وهكذا الحقنة في العضل من باب أولى، لكن لو
قضى من باب الاحتياط كان أحسن، وتأخيرها إلى الليل يكون أولى وأحوط، خروجًا من الخلاف في ذلك.
* حكم إبرة التخدير (البنج) وتنظيف السن أو
حشوه أو خلعه عند الطبيب.
إذا
حصل للإنسان ألم في أسنانه، وراجع الطبيب، وعمل له تنظيفًا أو حشوًا أو خلع أحد
أسنانه،أو أضراسه، لا يؤثر ذلك على صحة صيامه؟ ولو أن الطبيب أعطاه إبرة لتخدير
سِنِّهِ، فهذه من الأمور معفو عنها، وعليه أن يتحفظ من ابتلاع
شيء من الدواء، أو الدم، وهكذا الإبرة المذكورة لا أثر لها في صحة الصوم؛ لكونها
ليست في معنى الأكل والشرب، والأصل صحة الصوم وسلامته.
وهكذا
أخذ الحقنة الشرجية للحاجة؟ واستعمال الأدوية السائلة عن طريق القُبل الممر البولي
والتناسل كالتحاميل، وإن كانت مادة الدواء تصل الدم؟ فلا حرج في ذلك إذا احتاج
إليها المريض في أصح قولي العلماء، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأجمع كثير من أهل العلم لعدم
مشابهتها للأكل والشرب، واستعمال الأدوية عن طريق القُبُل أو الدبر هذا لا يحصل به
الإفطار.
* استعمال معجون الأسنان،
وقطرة الأذن، والأنف والعين للصائم.
تنظيف
الأسنان بالمعجون لا يفطر به الصائم كالسواك، فلا حرج عليه في استعماله في أول
النهار وآخره، وذهب بعض أهل العلم إلى كراهة السواك بعد الزوال، وهو قول مرجوح،
والصواب عدم الكراهة؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "السَّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ
مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ" ولقوله
صلى الله عليه وسلم: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ
عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ"
متفق عليه وهذا يشمل صلاة الظهر والعصر وهما بعد الزوال، وعليه التحرز من ذهاب شيء
منه إلى جوفه، فإن غلبه شيء من ذلك بدون قصد،
فلا قضاء عليه.
وهكذا
قطرة العين والأذن لا يفطر
بهما الصائم في أصح قولي العلماء، فإن وجد طعم القطور في حلقه، فالقضاء أحوط ولا
يجب؛ لأنهما ليسا منفذين للطعام والشراب.
أمَّا
القطرة في الأنف: فلا تجوز؛
لأنَّ الأنف منفذ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : للقيط بن صبرة رضي الله
عنه :" "وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ
إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا"،
وعلى من فعل ذلك القضاء لهذا الحديث، وما جاء في معناه إن وجد طعمها في حلقه. وإن
كان المستعمل للقطرات المذكورة لا يحس بما
نزل منها للبطن مع الحلق أو الأنف جاز له أن يستعملها في نهار رمضان وهو صائم، ولا
يؤثر استعماله للقطرات على صومه إن شاء الله.
لا
يستنشق الصائم العود، أما أنواع الطيب، فلا بأس أن يشم رائحة الطيب غير البخور؛
لأن بعض أهل العلم يرى أن العود يفطر الصائم إذا استنشقه؛ لأنه يذهب إلى المخ
والدماغ، وله سريان قوي، أما شمه من غير قصد فلا يفطره، وكذلك استعمال الطيب كدهن العود والكولونيا
والبخور، بشرط ألا يستنشق البخور.
* حكم استعمال الكحل وأدوات التجميل في نهار
رمضان.
الكحل
لا يفطر النساء ولا الرجال في أصح قولي العلماء مطلقًا، ولكن استعماله في الليل
أفضل في حق الصائم والصائمة، وهكذا ما يحصل به تجميل الوجه من الصابون والأدهان
وغير ذلك مما يتعلق بظاهر الجلد، ومن ذلك الحناء والمكياج وأشباه ذلك، كل ذلك لا
حرج فيه في حق الصائم والصائمة، مع أنه لا
ينبغي استعمال المكياج إذا كان يضر الوجه.
* حكم
استعمال البخاخ للصائم
عند الضرورة؟ .
لا بأس بذلك عند الضرورة، فإن أمكن تأجيله
إلى الليل فهو أفضل و أحوط، ــ وإلاَّ فحكمه الإباحة إذا اضطر إلى ذلك؛
لقول الله عزَّ وجلَّ: في سورة الأنعام : (وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ
اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ
إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ
هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ)[الأنعام: 119] ولأنه لا يشبه الأكل والشرب فأشبه سحب الدم للتحليل
والإبر غير المغذية.
* حكم القيء للصائم؟.
من
ذرعه القيء، فلا قضاء عليه، أمَّا إن استدعى القيء فعليه القضاء؛ لقول النبي صلى
الله عليه وسلم: "مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ، فَلَا
قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ".
* خروج المذي بشهوة لا يبطل الصوم.
خروج
المذي لا يبطل الصوم في أصح قولي العلماء؛ سواء كان ذلك بسبب تقبيل الزوجة، أو
مشاهدة بعض الأفلام، أو غير ذلك مما يثير الشهوة؛ ولكن لا يجوز للمسلم مشاهدة الأفلام
الخليعة، ولا استماع ما حرَّم الله من الأغاني وآلات اللهو، أمَّا خروج المني عن
شهوة فإنه يبطل الصوم سواء حصل عن مباشرة،
أو قبلة، أو تكرار نظر، أو غير ذلك من الأسباب التي تثير الشهوة كالاستمناء ونحوه،
أمَّا الاحتلام والتفكير، فلا يبطل الصوم بهما ولو خرج منه مني بسببهما.
* خروج الدم من الجسم لا يفسد الصوم إلا
الحجامة، والحيض والنفاس؟ .
لا
يضر الصائم خروج الدم إلا الحجامة، فإذا احتجم فالصحيح أنه يفطر بالحجامة وفيها خلاف قوي بين العلماء، والأكثرون يرون
أنه لا يبطل حتى بالحجامة؛ لكن الصحيح والأرجح أنه يفطر بذلك؛ لقول النبي صلى الله
عليه وسلم : "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ".
* حكم التبرع
بالدم، وأخذ عينات للتحليل
؟.
التبرع
بالدم لا يفسد الصوم، الدم المفسد للصوم: هو الدم الذي يخرج بالحجامة ، لقول النبي
صلى الله عليه وسلم : "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ
وَالْمَحْجُومُ" ويقاس
على الحجامة ما كان بمعناها مما يفعله الإنسان باختياره فيخرج منه دم كثير يؤثر
على البدن ضعفًا ، فإنه يفسد الصوم كالحجامة أمَّا التبرع بالدم، فالأحوط تأجيله
إلى ما بعد الإفطار ؛لأنه في الغالب يكون كثيرًا
فيشبه الحجامة ؛ لأن الشريعة الإسلامية لا تفرق بين الشيئين المتماثلين ،
كما أنها لا تجمع بين الشيئين المفترقين، أمَّا ما خرج من الإنسان بغير قصد كالرعاف،
والاستحاضة، وكالجرح للبدن من السكين عند تقطيع اللحم، أو وطئه على زجاجة، أو ما
أشبه ذلك، فإن ذلك لا يفسد الصوم، ولو خرج منه دم كثير، كذلك لو خرج دم يسير لا
يؤثر كتأثير الحجامة كالدم الذي يؤخذ للتحليل عند الحاجة إلى ذلك، بل يعفى عنه؛ لأنه مما تدعو الحاجة إليه، وليس
من جنس المفطرات المعلومة من الشرع المطهر، فلا يفسد الصوم أيضًا ، وإنما يفسد
الصوم الحيض والنفاس والحجامة، والله ولي التوفيق.
* لا يبطل الصوم بالاحتلام،
ومن صلى بعد الاحتلام بدون غسل فقد أخطأ؟.
الاحتلام
لا يفسد الصوم، ولا يؤثر فيه؛لأنه ليس باختيار العبد؛ ولكن على المحتلم غسل
الجنابة إذا خرج منه مني؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَـمَّـا سُئِلَ عن ذلك أجاب بأنَّ على المحتلم
الغسل إذا وجد الماء يعني: المني؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الْـمَـاءُ مِنَ
الْـمَـاءِ"، وقوله صلى
الله عليه وسلم لأم سليم لـمـا سألته عن
الاحتلام : هل عليها منه غسل ؟ قال صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ إِذَا رَأَتْ الْـمَـاءَ" متفق على صحته، ومن صلى جنبًا بدون
غسل عامدًا، فهذا قد ارتكب غلطًا كبيرًا ومنكرًا عظيمًا، وعلى من فعل ذلك أن يعيد
الصلاة بعد الغسل مع التوبة إلى الله سبحانه.
* حكم تأخير الجنب والحائض والنفساء الغسل
إلى بعد طلوع الفجر؟.
لو
احتلم بعد صلاة الفجر، وأخَّر الغُسل إلى وقت صلاة الظهر، فلا بأس .. وهكذا لو
جامع أهله في الليل، ولم يغتسل إلَّا بعد طلوع الفجر، لم يكن عليه حرج في ذلك، فقد
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم :أنه "كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، ثُمَّ
يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ"
متفق عليه.
وهكذا
الحائض والنفساء لو طهرتا في الليل، ولم تغتسلا إلَّا بعد طلوع الفجر لم يكن
عليهما بأس في ذلك وصومهما صحيح؛ ولكن لا يجوز لهما، ولا للجنب تأخير الغسل أو
الصلاة إلى طلوع الشمس؛ بل يجب على الجميع البدار بالغسل قبل طلوع الشمس حتى يؤدوا
الصلاة في وقتها.
وعلى
الرجل أن يبادر بالغسل من الجنابة قبل صلاة الفجر حتى يتمكن من الصلاة في الجماعة،
وعلى الحائض والنفساء إذا رأتا الطهر في أثناء الليل أن تبادرا بالغسل حتى تصليا
المغرب والعشاء من تلك الليلة، كما أفتى بذلك جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم . وهكذا إذا طهرتا في وقت العصر وجب عليهما البدار بالغسل حتى تصليا الظهر
والعصر قبل غروب الشمس، والله ولي التوفيق .
* هل اغتياب الناس يفطر
في رمضان
الغيبة لا تفطر الصائم وهي ذكر الإنسان أخاه
بما يكره، وهي معصية، لقول الله عزَّ وجلَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ
بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ
أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ
إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)[الحجرات:12] وهكذا
النميمة والسب والشتم والكذب وكل ذلك لا يفطر الصائم، ولكنها معاصي يجب الحذر منها
واجتنابها من الصائم وغيره، وهي تجرح الصوم وتضعف الأجر لقول النبي صلى الله عليه
وسلم: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ
وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ ِفي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ
وَشَرَابَهُ" رواه الإمام
البخاري في صحيحه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ،
فَلاَ يَرْفُثْ وَلَا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ،
فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ" متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ومن
الأمور التي لا تفسد الصوم : تحليل الدم، وضرب الإبر، غير التي يقصد بها التغذية،
لكن تأخير ذلك إلى الليل أولى وأحوط إذا تيسر ذلك.
هذا وصلى الله وسلم على
نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
standard