قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْأَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا
بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ) [النمل:82].
جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أنها دابة تخرج في آخر الزمان عند طلوع الشمس من مغربها؛ قبلها بقليل أو بعدها
بقليل، والله أعلم بمكثها في الأرض، ولكنها تخرج في آخر الزمان، وتكلم الناس، كما
قال الله عز وجل، وأما تفاصيل أخبارها فليس في تفاصيل أخبارها أحاديث صحيحة فيما
أعلم.
***
قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ) [الروم:31-32].
يبين تعالى في الآية أن من صفات المشركين تفريق الدين،
وأن يكونوا فيه شيعاً، كل شيعة لها رأي ولها كلام ولها أنصار، هكذا يكون المشركون
وهكذا الكفار، يتفرقون ولكل طائفة لها رئيس ولها متبوع، تغضب لغضبه، وترضى لرضاه،
ليس همُّهم الدين، وليس تعلقهم بالدين.
أما المسلمون فهم يجتمعون على كتاب الله وسنة الرسول
عليه الصلاة والسلام، وهدفهم هو اتباع الكتاب والسنة، فهم مجتمعون على ذلك،
ومعتصمون بحبل الله.
أما غيرهم من الكفار فهم أحزاب وشيع، والله عز وجل يحذرنا
أن نكون مثلهم، ويأمرنا أن نقيم الصلاة، وأن نستقيم على دين الله، وأن نجتمع على
الحق، ولا نتشبه بأعداء الله المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، وهكذا
أصحاب البدع شابهوا المشركين حرفوا دينهم وكانوا شيعاً، هذا معتزلي، وهذا جهمي،
وهذا مرجئ، وهذا شيعي إلى غير ذلك. فالتفرق في الدين هو مخالفة لما أمر الله به من
الاعتصام بحبل الله، والاستقامة على دين الله، وعدم التنازع والفشل.
***
قوله تعالى:( أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ
وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة:90].
الخمر معروف وهو كل مسكر، والأنصاب والأزلام أشياء كانت
في الجاهلية، والأنصاب كانوا ينصبونها وكانوا يذبحون عندها لأصنامهم، فأنكر الله
عليهم ذلك وأمر بإزالتها والقضاء عليها.
وأما الأزلام فكانت أشياء يستقسمون بها لحاجتهم، وهي
ثلاثة: يكتب على واحد افعل، والثاني لا تفعل، والثالث غفل ليس فيه شيء، فإذا
أرادوا سفرا أو حاجة مهمة أجالوا هذه الأزلام، فإن خرج افعل فعلوا، وإن خرج لا
تفعل تركوا، وإن خرج غفل أعادوا إجالة هذه الأزلام، فنسخ الله ذلك ونهى عنه سبحانه
وتعالى، وأرشد المسلمين بدلاً من ذلك إلى الاستخارة الشرعية، وهي الدعاء الشرعي
بعد صلاة ركعتين بدلاً من هذه الأزلام.
وأما الميسر: فهو القمار المعروف، وهو معاملة (يانصيب)
التي يتعاطاها بعض الناس بالمخاطرة في سائر الألعاب، وهي منكر، فالميسر منكر وهو
القمار، وحرمه الله عز وجل لما فيه من أكل المال بالباطل.
***
قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ
فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً) [النساء:145].
المراد بالمنافقين هم الذين يتظاهرون بالإسلام وهم على
غير الإسلام؛ يدعون أنهم مسلمون وهم في الباطن يكفرون بالله ويكذبون رسوله عليه
الصلاة والسلام؛ هؤلاء هم المنافقون، سموا منافقين؛ لأنهم أظهروا الإسلام وأبطنوا
الكفر.
وهم المذكورون في قوله عز وجل: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا
هُمْ بِمُؤْمِنِينَ* يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ
أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ* فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) [البقرة: 8-10] يعني شك وريب (فَزَادَهُمْ اللَّهُ
مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) [البقرة: 10] فهؤلاء هم المنافقون.
وهم المذكورون في قوله جل وعلا: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ
وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى) [النساء: 142] عني ليس عندهم إيمان: (يُرَاءُونَ
النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً* مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا
إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ) [النساء: 142- 143]
المعنى: أنهم مترددون بين الكفار والمسلمين؛ تارة مع
الكفار إذا ظهر الكفار وانتصروا، وتارة مع المؤمنين إذا ظهروا وانتصروا؛ فليس
عندهم ثبات، ولا دين مستقيم، ولا إيمان ثابت؛ بل هم مذبذبون بين الكفر والإيمان،
وبين الكفار والمسلمين.
وهم المذكورون في قوله جل وعلا: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ
أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ
كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ* فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ
وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) [التوبة: 54- 55].
فهؤلاء هم المنافقون النفاق الأكبر نسأل الله العافية
والسلامة، وهم المتوعدون بالدرك الأسفل من النار؛ لعظم كفرهم وعظم شرهم وتلبيسهم
على الناس.***
قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ
بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) [لأنفال: 24].
الآية على ظاهرها، فهو سبحانه يتصرف في عباده، فقد يوفق
هذا ويشرح قلبه للإيمان ويهديه للإسلام، وقد يجعل في قلبه من الحرج والتثاقل عن
دين الله ما يحول بينه وبين الإسلام، فهو يحول بين المرء وقلبه، كما قال عز وجل: (فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ
فِي السَّمَاءِ) [لأنعام: 125] سبحانه الذي يتصرف في عباده كيف يشاء، فهذا
يشرح قلبه للإيمان والهدى، وهذا لا يوفق لذلك.
[موقع سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله]
standard