تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
   يجعل البيت عن يساره ، ويمضي في طوافه ، فإذا وصل إلى الركن اليماني ، فإن تمكن من استلامه استلمه ، واستلامه هو مسحه باليد ، وإن لم يتمكن فإنه يمضي ولا يشير إليه ؛ لأن هذا لم يرد ، إنما الذي ورد استلامه إذا أمكن هو الركن اليماني . فإذا وصل إلى الحجر انتهى من الشوط الأول ويبدأ الشوط الثاني مثل الأول ، يبدأ من الحجر ، وينتهي بالحجر ، وكلما حاذى الركن اليماني ، إن تمكن من استلامه استلمه ، وإلا مشى ، ثم إذا جاء الحجر يفعل مثلما فعل في الشوط الأول ، إن تمكن من تقبيله واستلامه ، وإلا فإنه يشير إليه من بعيد ، ويمشي حتى يكمل سبعة أشواط ، كل شوط يبدأ من الحجر وينتهي بالحجر ؛ ولا بد أن يكون الطواف بالكعبة كلها ، فلو أنه اخترق الحِجْرَ أي الحطيم ، فدخل من الباب الشرقي للحجر ، وخرج من الباب الغربي ،لم يصح شوطه ؛ لأن الحِجْر أغلبه من الكعبة ، ولذلك حُوِّط عليه بالجدار ليطاف من ورائه لأنه من الكعبة . وسمي الحجر والحطيم : وهو ما نقص من بناء الكعبة عن قواعد إبراهيم ، سُمِّي حطيماً لأنه احتطم منها ، ويسمى بالحجر لأنه محتجر بالجدار ، والسبب في أنه لم يُبنَ أن قريشاً قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لما انهدم البيت فأرادوا بناءه ، وكانوا لا يبنونه إلا بمال حلال ، فلما جمعوا ما عندهم من المال الحلال ، رأوا أنه لا يكفي لبناء البيت كاملاً ، فقصروه من الناحية الشمالية ، وأقاموه على هذا الشكل الموجود الآن . ويسمونه : حجر إسماعيل ؛ ولا أدري ما سبب نسبته إلى إسماعيل إلا إن كان بناءً على الخرافة القائلة : إن إسماعيل مدفون فيه هو وجماعة من الأنبياء ، وهذا قول باطل لأنه إنما سمي الحجر لأنه مقتطع من الكعبة ، فحوِّط عليه بالجدار ليتجنب الناس الطواف من داخله ؛ لأن من طاف من داخل الحِجْر ، واخترق الحِجْر ، لم يطف بالكعبة طوافاً كاملاً ، وإنما طاف على بعضها ، فيتنبه لذلك . ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكّة ، فصار هو الذي يتولَّى شؤون المسجد الحرام ،لم يُعِد الكعبة على قواعد إبراهيم وإن كان يحب ذلك ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم خشي من الفتنة ، فلو أنه بنى الكعبة على قواعد إبراهيم ، ربما تحصل فتنة بين الناس ويقولون : غيَّر الكعبة ؛ لأنهم حديثو عهد بالإسلام ، وربما يحصل منهم شر ، ودرأ المفاسد مقدَّم على جلب المصالح ، هذه قاعدة ، وهي قاعدة : «سد الذرائع» . فالرسول صلى الله عليه وسلم ترك إعادة البيت على قواعد إبراهيم خشية من وقوع الفتنة التي يمكن أن تثور ، وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة : «لولا حداثة عهد قومك بكفر ، لهدمت الكعبة وأعدتها على قواعد إبراهيم» ، فبين السبب الذي منعه من إعادة الكعبة على قواعد إبراهيم أنه خوف الفتنة ، فتركها النبي صلى الله عليه وسلم على وضعها . ولما جاء عهد ابن الزبير رضي الله عنه ، واستولى على مكة هدم الكعبة ، وأعادها على قواعد إبراهيم عليه السلام ، وحقق أمنية الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله : «لولا أن قومك حديثو عهد بكفر أو بجاهلية» ، ولأن خوف الفتنة قد انتهى بتمكن الإيمان من القلوب . ولما قتل ابن الزبير ، وجاء وقت الأمويين في عهد عبد الملك بن مروان ، أمر الحجاج بن يوسف فهدم بناء ابن الزبير للكعبة وأعادها على ما كانت من بناء ما قبل الإسلام وهو الموجود الآن . فلما جاء عهد العباسيين بعد بني أمية ، أراد أبو جعفر المنصور أن يعيد الكعبة على قواعد إبراهيم كما فعل ابن الزبير، فمنعه الإمام مالك رحمه الله ، وقال :"لا تكون الكعبة ألعوبة في أيدي الملوك" ، فبقيت والحمد لله، والخير في الواقع ، وكلها ولله الحمد البيت ، سواء المبني أو غير المبني منها ، كله هو البيت العتيق، والطواف به كله طواف بالبيت ما بني منه وما لم يُبْنَ. والغرض من التنبيه على هذه المسألة هو بيان أن الطواف يكون بالبيت كله من وراء الحائط الذي على الحطيم ، ولا يُخْتَرق مثلما يفعل بعض الجهال ، فهذا يبطل الشوط الذي حصـل فيه الاختراق، فالله عز وجل يقـول : (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج:29] ، فالذي يخترق الحطيم لم يطَّوَّف بالبيت كله ، وإنما اطَّوَّف ببعضه ، ولم يستكمله ؛ ولهذا فالركنان الشاميان لا يُستلمان، ولا يقبَّلان، ولا يشار إليهما؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم ، وإنما هما داخل الكعبة، وإنما الذي يُستَلم هو الركن اليماني، والحَجر الأسود؛ لأنهما على قواعد إبراهيم عليه السلام . * فالأركان الأربعة للكعبة : منها : ما يُستلم ويُقبَّل أو يُشار إليه ، وهو الحجر الأسود . ومنها : ما يُستلم ولا يقبَّل ولا يُشار إليه، وهو الركن اليماني . ومنها : ما لا يُستلم ولا يُقبَّل ولا يُشار إليه، وهما الركنان الشاميان . ولما كان معاوية رضي الله عنه يطوف بالبيت ، ويستلم الأركان كلها ، قال له ابن عباس رضي الله عنهما : لِـمَ تَستلمُ هذين الرُّكنين ولـمْ يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يَستلمهما ؟ فقال معاوية : ليس شيءٌ من البيت مهجوراً ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب:21] ، فقال معاوية : صدقت ، وترك استلام الركنين الشاميين اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم . تنبيه مهم : ويجوز الطواف في الدور الأرضي والدور الثاني والثالث داخل المسجد ، وليحذر الطائف في الدور الثاني أو في سطح المسجد الحرام أن يمر من فوق سطح المسعى أثناء طوافه معتبراً ذلك من الشوط وهو ليس من الشوط ، لأن المسعى وسطحه ليس من المسجد وإنما هو مشعر مستقلّ أُدخل في المسجد ، ولذلك تجلس فيه الحائض وتسعى فيه سعي الحج أو العمرة وهي حائض ولو كان من المسجد لم تجلس فيه ، لأن الحائض لا تجلس في المسجد ، وهذا نص قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بتوقيع رئيسه الشيخ عبد العزيز بن باز وغالب أعضائه : في أن المسعى ليس من المسجد ولا يأخذ أحكامه ، وهو القرار الثالث من الدورة الرابعة عشرة ، و هذا نص القرار : الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، أما بعد : فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة التي بدأت يوم السبت 20 من شعبان 1415هـ ، 21/1/1995م قد نظر في هذا الموضوع فقرر بالأغلبية : أن المسعى بعد دخوله ضمن مبنى المسجد الحرام لا يأخذ حكم المسجد ولا تشمله أحكامه ؛ لأنه مشعر مستقل ، يقول الله عز وجل : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) [البقرة:158] ، وقد قال بذلك جمهور الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة ، وتجوز الصلاة فيه متابعة للإمام في المسجد الحرام كغيره من البقاع الطاهرة ويجوز المكث فيه والسعي للحائض والجنب ، وإن كان المستحب في السعي الطهارة ، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين. * * *
standard