يصلي
المسلمون صلاة الفجر في مزدلفة في أول وقتها ، ثم يقفون ويدعون متوجهين إلى القبلة
، يدعون فيها إلى قبيل طلوع الشمس ، ثم ينصرفون منها إلى منىً قبل أن تطلع الشمس ،
ولا يجلسون إلى أن تطلع الشمس ، بل ينصرفون قبل ذلك ؛ مخالفةً للمشركين ؛ لأن
المشركين كانوا لا ينصرفون من مزدلفة حتى تطلع الشمس ، فخالفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فدفع منها قبيل طلوع الشمس ، وقال صلى الله عليه وسلم : «خالف هدينا هدي المشركين» .
* الرخصة للضعفاء :
ورَخَّص
صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة للضعفاء من النساء والصغار أن ينصرفوا من
مزدلفة إلى منىً بعد منتصف الليل ؛ لأن هذا أرفقُ بهم ، وكذلك ينصرف معهم من
يحتاجون إليه من الأقوياء لخدمتهم وتدبير أمورهم ، ويكون حكمه حكمهم ، ويرمون
الجمرة إذا وصلوا إلى منً ،ً ولو آخر الليل ، أو بعد طلوع الفجر ، فإذا وصلوا إلى
منىً ، فإنهم يرمون الجمرة ، والذي معهم من الأقوياء حكمه حكمهم ، يرمي معهم
خصوصًا في هذا الزمان الذي يكثر فيه الزحام .
أما
الإنسان القوي الذي ليس معه ضعفاء ولا نساء ولا أطفال ، فالأفضل والأكمل ، وقيل :
الواجب عليه أن يبقى إلى أن يُسفر ، ويصلي الفجر ، ثم ينصرف قبيل طلوع الشمس .
تنبيه
:
يسقط المبيت بمزدلفة عن المرضى الذين يحتاجون إلى نقلهم
إلى المستشفيات أو إلى الراحة في منى أو في بيوتهم ، ويسقط المبيت كذلك عمن
يرافقهم لخدمتهم والمحافظة عليهم ، ويسقط المبيت عمن يقومون بخدمة الحجيج خارج
مزدلفة من الجنود والأطباء والممرضين لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة
والسقاة في ترك المبيت لأجل القيام بمهامهم العامة للحجاج .
* * *
رمي الجمرة الكبرى
إذا
انصرف الحجاج من مزدلفة إلى منىً ، سواء أصحاب الأعذار المرخَّص لهم بعد منتصف
الليل ، أو الذين انصرفوا بعد صلاة الفجر وقبيل طلوع الشمس ، فأول شيء يبدؤون به
حينما يصلون إلى منى رمي جمرة العقبة ؛ لأن رمي الجمرة هو تحية منىً ، فيبدؤون
برمي الجمرة ، ثم بعد طلوع الشمس وارتفاعها ، من كان معه هدي ، ينحر هديه ، ثم يحلق
رأسه ثم يتحلل من إحرامه التحلل الأول .
ويبقى
عليه طواف الإفاضة والسعي ، فيتحلل من إحرامه التحلل الأول ، الذي يبيح له محظورات
الإحرام ما عدا زوجته ، فإذا طاف وسعى ، حلت له زوجته ، وحل له كل شيء حرم عليه
بالإحرام ، وهذا هو التحلل الثاني ، فعندنا يوم العيد أربعةُ أشياء :
أولاً :
رمي جمرة العقبة .
ثانياً :
نحر الهدي لمن كان عليه هدي تمتع أو قران أو معه هدي تطوع ساقه من الحل .
ثالثاً :
الحلق أو التقصير .
رابعاً :
الطواف والسعي .
ويؤجل
الطواف والسعي إلى أن يجد فرصة ، ولو من الغد ، ولو بعد غد ، فلا بأس لكن كونه
يفعل هذه الأشياء الأربعة يوم العيد أفضلُ ، وبالترتيب ، فإن قدم بعضها على بعض ،
فلا بأس ، فلو حلق قبل أن يرمي ، أو ذهب إلى البيت وما مر على منىً ، أو ذهب من
مزدلفة إلى الكعبة وطاف ، فلا بأس ، فما سئل صلى الله عليه وسلم في
هذا اليوم عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا وقال : «افعل ولا حرج» .
هذه المناسك التي تُفعل في يوم العيد ، وإذا شق عليه
فعلُها كلِّها في يوم العيد ، فلا بأس أن يؤجل بعضها إلى يوم آخر من أيام التشريق .
ويوم
العيد لا يُرمى فيه إلا الجمرة الكبرى ، وهي آخر الجمرات مما يلي مكة ، وتسمى جمرة
العقبة ؛ لأنها كانت في أصل جبل يصعد معه طريق ، فالعقبة هي الطريق في الجبل ،
وكانت متصلة بأصل الجبل ، وأُزيل الجبل لأجل التوسعة على الناس في عهد الملك عبد
العزيز رحمه الله ، فصارت الجمرة بارحة ليس عندها جبل ؛ لأجل التوسعة على الناس ،
ولكن بقي الاسم ، فتسمى جمرة العقبة ؛ بناء على الأصل، فيرميها إذا وصل إليها بسبع
حصيات .
* من أين يلتقط الحصى ؟
بعض
الناس يعتقد أنه لا بد أن يؤخذ الحصى من مزدلفة ، ولذلك يجمعون كل حصى الأيام ،
يجمعون سبعين حصاة ، ويحملونها معهم ، وهذا ليس بلازم ، بل يؤخذ الحصى من مزدلفة ،
أو من الطريق ، أو من منى ، والرسول صلى الله عليه
وسلم في هذا اليوم لم يأخذ إلا سبع
حصيات من الطريق بعدما انصرف من مزدلفة إلى منىً ، أمرَ الفضلَ بنَ العباس ابنَ
عمه أن يلقط له الحصى ، فلقط له سبع حصيات مثل حصى الخذف .
والخذف
: هو الذي يُخذف على
الأصابع ، وقد حددوه بأنه قريب من حب الحِمِّص ، ليس كبيراً ، ولا صغيراً ، ليس
كبيراً جدًّا ، ولا صغيراً جداً ، بل على قدر ما يخذفه الإنسان على رؤوس أصابعه ،
فأخذ صلى الله عليه وسلم الحصيات السبع ونفضها ، وقال : «بأمثال هؤلاء فارموا
، وإياكم والغُلُوَّ ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ» ، يعني : لا تغلوا في
الحصى بأن تأخذوا حصى كباراً ؛ و هذا نهي عن الغلو في الدين بجميع أنواع الغلو ، ومن
ذلك حصى الجمار ، لا يغلون فيه بأخذ حصى كبارًا ، بل يأخذون مثل الحصيات التي
لُقطت للنبي صلى الله عليه وسلم وقال عنها : «بأمثال هؤلاء فارموا» .
وقد
حدد العلماء حجمها بأنّها أكبر من الحِمِّص ، أو قريباً منه ، أما من يأخذون الحصى
الكبار ، أو يرمون بالجزمات ، أو بالحديد ، ويقولون : نقتل الشيطان فهذا غلط وجهل ،
بل أنت تذكر الله عز وجل ؛ بالرمي فالرمي ذكر
لله .
قال صلى الله عليه وسلم : «إنما
جُعل الطوافُ بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورميُ الجمار ؛ لذكر الله عز وجل» ، فأنت تذكر
الله ، ولذلك تكبر الله مع كل حصاة ، فأنت برميك هذا تذكر الله عز وجل ، وليس رميك للشيطان
إلاّ من ناحية أن العبادات كلها رميٌ للشيطان ، فالصّلاة رميٌ للشيطان ، والدّعاء
رمي للشيطان ، وكل عبادة تفعلها فهي رمي للشيطان ، ومنها رمي الجمرات ؛ لأن رمي
الجمرات عبادة وطاعة ، ولا شك أنّ الشيطان يغتاظ من العبادة ، ومن ذكر الله عز وجل .
أما
أن يُعتقد بأنَّ الأصل والقصد هو رمي للشيطان ، فلا ، إنما تقول : أرمي الجمرة ،
ولا تقل : أرمي الشيطان ، فتجنب هذا اللفظ ، وإن كان أصل الرمي ما روي أن إبراهيم
عليه السلام لما أمره الله بذبح ابنه امتحاناً له جاءه الشيطان يوسوس له بعدم ذبحه
، فرماه إبراهيم عليه الصلاة والسلام بسبع حصيات في كل موقف من مواقفه معه ، فالله
أعلم بذلك .
* كيفية الرمي :
تَرمي الجمرةَ هذا اليوم بسبع حصيات بقوة ، وترفع يدك ،
ولا تأتي بالحصيات وتضعها في الحوض ، بل ترفع يدك برميها قائلاً : الله أكبر ، ولا
بد أن تقع الحصاة في الحوض ، سواء بقيت فيه أو سقطت منه بأن تدحرجت ، المهم أن تقع
في الحوض .
فإن
طارت ولم تقع في الحوض فلا تجزئ ، والمطلوب هو أن يقع الحصى في حوض المرمى ، فلا
ترمي الجمرات جميعاً دفعة واحدة ، بل تَرمي كل حصاة وحدها ، ولو حذفتها جميعاً ما
أجزأت إلا عن حصاة واحدة ، وبقي عليك سِتٌّ ، بل عليك أن ترمي كل حصاة على حدة ،
سبع حصيات متعاقبات ، هذه بعد هذه ، وترفع يدك مع كل حصاة ، وتقول : الله أكبر .
هذه
صفة رمي جمرة العقبة والجمرات بعدها ، والمهم أن تقع في الحوض ، من أي مكان تيسر
لك أن ترميها ، فإذا وقعت في الحوض أثناء رميك لها من أي جهة رميتها ، فلا بأس ،
من جهة الشرق ، أو من جهة الغرب ، أو من جهة الجنوب ، أو من جهة الشمال حسبما
يتيسر لك ذلك .
ورمي
الجمار الباقية يكون مثلما وصفنا لكم في رمي جمرة العقبة .
standard