ثم
ينصرف الحجاج إلى مزدلفة بالرفق والسكينة التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم ،
والتعاون والرحمة للضعفاء والمساكين ، وإسعاف المحتاج بما يحتاج إليه من طعام أو
شراب أو حمل أو ركوب ، ومراعاة أحوال المسلمين والرفق بهم ، وعدم التعنيف عليهم في
الطريق ، وعدم مضايقتهم ؛ لأنهم إخوانك ، فارفُقْ بهم .
والنبي
صلى الله عليه وسلم لما انصرف من عرفة إلى مزدلفة كان يقول : «السكينةَ
السكينةَ» ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا حصلت الزحمة ، أخذ بزمام ناقته ، وجرَّ رأسها إليه ،
حتى إن رأسها يكاد يلامس رحله عليه الصلاة والسلام ؛ لئلا يضايق الناس ، مع أنه
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو أراد من الناس لخلَّوا له الطريق لكنه رسول الله
رحمة للعالمين وقدوة للمسلمين .
وكان صلى
الله عليه وسلم
يمشي مع الناس ، ومع الضعفاء ، ومع المساكين ، وكان يرفق بهم ، ويمسك زمام ناقته
لئلا تضايق أحداً ، ويقول : «السكينة السكينة» ، فإذا وجد فجوة ، يعني متَّسعا ً، نصَّ
أي أسرع بناقته صلى الله عليه وسلم ، ترك لها الزمام حتى تسرع كما في
الحديث : «إذا وجد فجوة، نَصَّ» ؛ يعني : أسرع .
هذا
هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في الانصراف من عرفة إلى مزدلفة ، لأنك في مشيك من عرفة
إلى مزدلفة تكون في عبادة ، وخطواتك تكتب وأنت تمشي ، وفي عبادة ، مطيعاً لربك عز وجل مثل الذي يمشي إلى
المسجد ، فهو في صلاة وعبادة ، فتكتب له خطواته وهو يمشي ، في كل خطوة تُرفع له
درجة ، وتُحطُّ عنه سيئة ، فكذلك الذي يمشي من عرفة إلى مزدلفة هو في
عبادة ، فلا يسيء الأدب مع إخوانه .
* الصلاة بمزدلفة :
الحاج
في مسيره إلى مزدلفة يكثر من التلبية والذكر ، ولا يصلي المغرب والعشاء في الطريق ،
بل يؤخر المغرب إلى العشاء فيجمعهما جمعَ
تأخير ، فلا يصلي حين الانصراف ، وإن غربت الشمس ودخل الوقت ؛ بل يؤخر المغرب حتى يصل
إلى مزدلفة ، فلما وصل إلى مزدلفة صلى الله عليه وسلم ، أمر المؤذن فأذن، ثم أمره
فأقام ، فصلى المغرب ، ولما حط الناس رحالهم أمره فأقام ، فصلى العشاء ركعتين ، ثم
استقر في مزدلفة وبات بها صلى
الله عليه وسلم
، وهكذا إذا وصل الحجاج إلى مزدلفة ، يفعلون مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم
، وإن تعوق في الطريق بسبب زحمة السيارات فإنه يصلي المغرب والعشاء قبل منتصف
الليل ، إذا تيسر له على جانب الطريق
.
ومزدلفة
: فيها المشعر الحرام ، قال الله
تعالى : (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند
المشعر الحرام) [البقرة:198] .
فمزدلفة
فيها المشعر الحرام ؛ وهو الجبل الصغير الذي فوقه المسجد ، وقيل : المشعر الحرام
مزدلفة كلها ، وتسمى مزدلفة ؛ لأن الناس يزدلفون إليها من عرفة ، أي يذهبون إليها
ليتقرَّبوا إلى الله فيها ، وتسمى جمعاً ؛ لأن الناس يجتمعون فيها .
وذِكرُ
الله فيها يكون بالصلاة حينما يصل الحُجّاج إليها ، ومن ذكرِ الله فيها أيضاً المبيتُ فيها ، فبيتوتتك ونومك فيها عبادة ، ثم إذا
طلع الفجر تصلي في أول وقتها ، وصلاتك فيها عبادة وذكرٌ لله عز وجل ، ثم إذا صليت تقف وتدعو ، فهذا ذكر لله عز وجل ، فأنت ما زلت في ذكر لله عز وجل ، عملاً بقوله تعالى : (فاذكروا الله عند
المشعر الحرام) [البقرة:198] ، تذكره
بصلاة المغرب والعشاء ، وتذكره بالمبيت فيها ، وتذكره بصلاة الفجر ، وتذكره
بالدعاء بعد صلاة الفجر ، فكل هذا ذكر لله عز وجل ، ويستحب للحاج أن ينام في مزدلفة إذا فرغ من نزوله
وصلاته ولا يسهر كما يفعل كثير من الناس .
فإذا طلع الفجر ، فليبادروا بالصلاة في أول
وقتها ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بادر بصلاة الفجر أول ما طلع الفجر في هذا اليوم ، حتى
إن بعضهم يقول : إنه صلى قبل الوقت ، ولم يكن صلى الله عليه وسلم ليصلي
قبل الوقت ، ولكن بادر بالفجر ولم يؤخرها حتى يُسفر بها كعادته ، وإنما بادر بها عليه
الصلاة والسلام لأجل أن يتفرغ للدعاء بعدها ، وهكذا كان صلى الله عليه وسلم يشغل
وقته في مزدلفة في العبادة حتى النوم فيها يحتسبه عبادة .
standard