تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
أيام التشريق : هي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ، وسميت أيام التشريق كما قيل : لأنهم كانوا يشرِّقون فيها لحومَ الهَدْي والأضاحي ، بمعنى أنهم ينشرونها في الشمس حتى تتجفف ، فســميت أيام التشـــريق . وهي الأيـام المذكـورة في قولـه تعـالى : (واذكروا الله في أيامٍ معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون) [البقرة:203] ، وهي هذه الثلاثة : الحادي عشر ، والثاني عشر ، والثالث عشر من ذي الحجة . وليس منها يوم العيد الذي هو اليوم العاشر ، فبعض الناس يغلطون ويُدخلون يوم العيد في أيام التشريق ، ويظنون أن قوله تعالى : (فمن تعجل في يومين) [البقرة:203] ، يوم العيد ويوم الحادي عشر ، ثم يتعجلون في اليوم الحادي عشر ، وهذا غلط كبير وجهل ، والسبب في هذا أنهم لا يسألون أهل العلم ، فيُخِلُّون بحجِّهم ، ويسافرون قبل إكماله ؛ لأنهم ما فهموا المراد باليومين . فالمراد باليومين : اليوم الحادي عشر والثاني عشر ، فالثاني عشر هو يوم النفر الأول لمن تعجل ، واليوم الثالث عشر هو النفر الأخير لمن تأخر ، فينبغي معرفة هذا والتقيد به . * * * المبيت بمنى ليالي أيام التشريق قال الله تعالى : (واذكروا الله في أيامٍ معدودات) [البقرة:203] ؛ يعني : اذكروا الله بأداء المناسك في منىً مِن مَبيتٍ في منىً ليالي منى ؛ الحادي عشر والثاني عشر لمن تعجل ، والثالث عشر لمن تأخر ، وهذا واجب من واجبات الحج ، ومن ذكر الله في أيام التشريق أداء الصلوات الخمس في منى ، ورمي الجمار ، وذبح النّسك ، والبقاء في منى هذه الأيام ليلاً ونهارًا ، هذا أكمل ، ويجوز له الخروج من منى في النهار ، ثم يرجع ويبيت فيها . * حدود منى : طولُها من وادي مُحَسِّر وهو الحد الفاصل بينها وبين مزدلفة ، إلى جمرة العقبة ، وهي الجمرة الأخيرة مما يلي مكة ، هذا آخر منى ، وعرضها ما بين الجبلين الشرقي والغربي ، هذه منى ، فمن تمكن من النزول فيها فإنه ينزل ويبيت فيها ، ويقيم فيها أيام التشريق عبادة لله عز وجل ، فيذكر الله فيها ، ومن لم يتمكن من النزول فيها فإنه ينزل بطرف الحجاج في أي مكان مما يلي منى ، قال تعالى : (فاتقوا الله ما استطعتم) [التغابن:16] . فالحكم هنا مثل حكم المسجد إذا ضاق ، فالناس يصلون خارجه ما امتدت الصفوف ، فينزل الحاجُّ في طرف الحجاج ، ولو كان خارج منى ؛ لأن هذا هو الذي يستطيعه ويأتي ويبيت في الليل في منى إن تمكن ، وفي النهار يذهب إلى خيمته ، ولو كانت خارج منى ؛ لأن هذا هو الذي يستطيعه . وإن نزل خارج منى ، ولم يسـتطع المجيء بالليل ؛ لبقائه مع النساء ، أو مع من يخاف عليهم ، أو بسبب أنه لا يقدر على المشي ، ويشق عليه الانتقال في الليل ، فيبيت في خيمته وفي مكانه ، ويسقط عنه المبيت في هذه الحالة ؛ لأنه واجب يسـقط مع العجز ، يقـول الله جل وعلا : (فاتقوا الله ما استطعتم) [التغابن:16] ، (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) [البقرة:286] ، فإذا كان لا يستطيع النزول في منى ، ولا يستطيع المجيء إليها بالليل ، فإنه يسقط عنه المبيت ؛ لأنه عجز عنه ، ولا واجب مع عجز ، أما الذي يبقى في الشقق في العزيزية أو غيرها لأجل الترفه والتبرد ، فهذا العمل نقصٌ في حجه ؛ لأنه لم يفعل ما يستطيع ، والواجب عليه أن ينزل بطرف الحجاج الذين نزلوا خارج منى بسبب عدم وجود الأمكنة داخل منى مهما استطاع ذلك . * * * أنواع ذكر الله في أيام التّشريق 1 - رمي الجمار ومِن ذِكْرِ الله في هذه الأيام رميُ الجمار الثلاث : الجمرة الصغرى التي تلي منىً ، ثم الوسطى ، ثم الكبرى ، وهي الأخيرة التي رماها يوم العيد تكون هي الأخيرة في الرمي في أيام التشريق ، هذا من ذكر الله عز وجل . * وقت الرمي : ووقت الرمي يبدأ من زوال الشمس في اليوم الحادي عشر وما بعده ؛ أي إذا دخل وقت الظهر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينتظر في أيام التشريق حتى تزول الشمس ، ثم يذهب ويرمي الجمرات ، وكان أصحابه من بعده يفعلون ذلك ، يتحينون زوال الشمس ، فإذا زالت رموا الجمرات ، فدل على أن الرمي قبل الزوال في أيام التشريق لا يجوز ولا يجزئ ؛ لأنه فعله قبل وقته كالصلاة قبل وقتها ، ولو كان الرمي قبل الزوال جائزاً لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو بينه لنقل ذلك أصحابه لنا ، بل كان ينتظر حتى تزول الشمس ، فدل على أن الرمي قبل زوال الشمس لا يجوز ، ولا يجزئ ؛ لأنه رمي قبل الوقت ، فهو كما لو صلى الفريضة قبل الوقت ، وإنما يبدأ الرمي من زوال الشمس في أيام التشريق ، ويستمر إلى غروبها . فإن لم يتمكن من الرمي قبل غروب الشمس ، فإنه يرمي بعد الغروب بعد صلاة المغرب ، أو بعد صلاة العشاء ؛ لأنه كله يدخل فيما بعد الزوال ، ويدخل في المساء ؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة أن يرموا ليلاً لعذرهم ، والزحمة والخطر في هذه السنين أشد من عذر السقاة والرعاة ، فإن تمكن من الرمي فيما بين الزوال إلى غروب الشمس ، فهذا هو الأحوط ، وإن لم يتمكن فإنه يرمي في الليل ، لأن هذا كله داخل في المساء ، فالوقت واسع ، ولله الحمد . وليس في الأمر ضيق ، ولكن الناس هم الذين يضيقون على أنفسهم ، فيجيئون جميعاً في وقت واحد ويتضايقون ، ويحصل ما يحصل بسبب الجهل ، وإلا فلو أنهم تحيَّنوا الوقت المناسب لهم ، فمَنْ تَـمَكَّنَ رمى بعد الظهر ، ومَنْ تَـمَكَّن رمى بعد العصر ، ومَنْ تَـمَكَّنَ رمى بعد المغرب ، ومَن تَـمَكَّنَ رمى بعد العشاء لزال الخطر والزحمة ، فالوقت واسع . فإذا جئت ووجدت الزحام الشديد ، ارجع واتِ في ساعة أخرى ، وستجد الفرصة سانحة ، وقد جربنا هذا ، فالذي يأتي قبل غروب الشمس يوم الحادي عشر والثاني عشر يجد المكان واسعاً ، إنما الزحمة والشدة ما بين زوال الشمس إلى العصر ، وهذا أشد ما يكون ؛ لأن كثيراً من الناس يأتون في هذا الوقت. فالناس هم الذين يسبِّبون لأنفسهم المشقة ، فيتضايقون بسبب إصرارهم على الرَّمي في وقت واحد ، وإذا جاؤوا ووجدوا الزِّحام فإنهم لا يرجعون ؛ مع أنهم لو رجعوا وجاءوا في وقت آخر لكان خيراً . فعلى المسلم أن يرفق بنفسه ، ويرفق بإخوانه بالأخذ بالرخص الشرعية عند الحاجة إليها ومن ذلك : 1-    إذا فاته الرمي في اليوم الحادي عشر ، أَجَّلَ الرمي لليوم الثاني عشر ، وجاء في وقت فيه متسع ليرمي جمرات اليوم الأول ، ثم يعود ويرمي جمرات اليوم الحاضر بالترتيب ، فإنَّ هذا يُجزئه . 2-    وهكذا لو أنه جمع الرمي في اليومين في اليوم الأخير الثالث عشر ، فإنه لا بأس به ، مثل جمع الصلاتين جمع تأخير ؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة في ذلك . 3-    والعاجز لمرض ، أو لكبرٍ ، أو الطفل ، أو المرأة التي لا تستطيع الزحام ، أو المرأة الحامل التي تخشى على حملها ، هؤلاء يوكِّلون من يرمي عنهم ، فيرمي الوكيل كل جمرة عن نفسه أولاً بسبع حصيات ، ثم يرميها عن موكِّله ، ثم ينتقل إلى الجمرة الثانية ، فيرميها عن نفسه بسبع حصيات ، ثم يرميها بسبع حصيات عن موكله ، ثم ينتقل إلى الجمرة الثالثة الأخيرة ، فيرميها بسبع حصيات عن نفسه ، ثم يرميها عن موكله . فالحلول التي يتلافى بها الزحام في رمي الجمرات تتلخص فيما يلي : 1.   العاجز يوكِّل من يرمي عنه ، وقد رمى الصحابة عن الصبيان . 2.   تَحيُّن الفرص الواسعة في الرمي ، لأن الوقت موسَّع . 3.   تأخير الرمي كلِّه إلى آخر يوم ، ثم يرمي مرتباً الجمار عن كل يوم كما رخص بذلك النبي صلى الله عليه وسلم للرعاة . هذه رخص شرعية يعمل بها عند الحاجة إليها ، وأما القول إن الرمي قبل الزوال جائز في أيام التشريق فلا دليل عليه ، وهو مردود على قائله ، قال الإمام مالك رحمه الله : «كلُّنا رادٌّ ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر» ، وليس عندهم دليل إلا الشبه الواهية المخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الرمي ومنها: 1 – توقي شدة الزّحام . وقد أجبنا عن ذلك : بأن توقي شدة الزّحام يحصل بالحلول الشرعية التي ذكرناها . 2 – استدلوا بعموم قوله تعالى : (واذكروا الله في أيامٍ معدودات) [البقرة:203] ، حيث عمّم الذكر في جميع الأيام ومن ذلك الرّمي ، فيجوز في أي وقت من هذه الأيام . والجواب عن ذلك : أن هذا عموم خصَّصته سنّة الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه من بعده ؛ حيث لم يرموا إلاّ بعد الزوال ، فتحددت بداية الرمي بفعلهم ، وليس مع من خالفه دليل ، والعبادات توقيفية . 3 – استدلوا بعدم النّهي عن الرّمي قبل الزّوال . والجواب عن ذلك : أنّ انتظار الرسول صلى الله عليه وسلم للزّوال وعدم ترخيصه لأحد أن يرمي قبله بمثابة النّهي عن ذلك مع قوله صلى الله عليه وسلم : «خذوا عني مناسككم» . 4 - استدلوا بقولهم : "المشقة تجلب التيسير" . نقول : التيسير حاصل بسعة وقت الرمي من الزّوال إلى ما بعد العشاء ، وبالأخذ بالرّخص الشّرعية التي مرّ ذكرها وبتطوير مكان الرّمي بالأدوار الواسعة ، فحصل التيسير ولله الحمد . فبعد قيام مشروع أدوار المرمى الواسعة زال السبب الذي من أجله أفتوا بهذا القول المخالف للسنة ، فلم يبق لفتواهم محل . * * * 2 - ذبح الهدي ومن ذكرِ الله في أيام التشريق ذبحُ الهدي ، سواء كان واجباً لكونه نسكاً كهدي التمتع والقِران ، أو واجباً لكونه جبرانًا لفعل محظور أو ترك واجب ويسمّى دم الجبران ، أو كان تطوعاً . ووقتُ الذبح لهدي التمتع والقران وهدي التطوع يوم العيد ، وثلاثة أيام التشريق ، فهذه أربعة أيام ، كلها وقت للذبح وهدي الجبران لا تحديد لوقت ومكان ذبحه ، بل هو حيث ومتى وجد سببه. ومن لم يقدر على قيمة شراء الهدي فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج ، وينبغي أن تكون قبل يوم عرفة ، فإن لم يستطع صومها قبل يوم عرفة صامها في أيام التشريق لحديث عائشة : (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا عن دم متعة وقران) ، ثم يصوم سبعة أيام بعد الحج ليكمل له صيام عشرة أيام كما في الآية . * حكم أكل الحاج من لحم هديه والتصدق به : يُسنُّ أن يأكل الحاج من هديه ، ويتصدق . قـال تعالى : (فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعترَّ) [الحج:36]. وفي الآية الأخرى : (ويذكروا اسم الله في أيامٍ معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير) [الحج:28] ، وقال تعالى : (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صوآف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعترَّ) [الحج:36] . قيل : القانع : هو المحتاج الذي لا يسأل ، والمُعترُّ : هو الذي يسأل ، والمهم أن الإنسان يأكل ويوزع من لحم الهدي . وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم من هديه ؛ عملاً بقوله تعالى : (فكلوا منها وأطعموا القانع والمعترَّ) [الحج:36] ، فأكلَ وتصدق عليه الصلاة والسلام ، وهذا في غير هدي الجبران فإنه لا يأكل منه لأنه كفارة . * الوكالة في الذبح : وإن كان لا يستطيع أن يذبحها هو ، أو يَشُقَّ عليه ، فله أن يوكِّل من يذبحها عنه ، ويوزع لحمها ، فقد وكَّل النبي صلى الله عليه وسلم على بقية هديه عَلِيًّا أن يذبحه وأن يفرق اللحم . وفي وقتنا الحاضر جعلت الحكومة مشروعاً للهدي ، وهو شركة تشتري الهدي وتذبحه نيابة عن الحجاج ، وفتحت هذه الشركة مكاتب تستقبل فيها قيمة الهدي ، وتعطي سندات للدفع رسمية ، فالذي يريد أن يوكل هذه المكاتب المعتمدة فلا بأس بذلك ؛ لأن هذا فيه تيسير على الحجاج ، وليحذر الحجاج من الذين يحتالون على الناس ، ويأخذون قيمة هديهم بسندات مزورة ولا يذبحون عنهم ، فلا يدفع الحاج ثمن الهدي إلا للمكاتب المعتمدة التي تعطي سندات رسمية . وإن تولى ذبحها هو بنفسه فهو أفضل ، وإنْ وكل في ذبحها من يثق به ، أو وكل المكاتب المعتمدة التابعة للبنك الإسلامي ، فهي معتمدة من قِبَل الدولة وبموجب فتوى من أهل العلم من أجل التيسير على الناس ، ومن أجل العناية باللحوم وعدم إهدارها ، فلا بأس بذلك فكل هذا جائز ، ولله الحمد . 3 - ومِنْ ذِكْر الله في أيام التشريق : أن يصلي الصلوات الخمس في منى قصراً بلا جمع ؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أقام في منى أيام التشريق ولياليها يصلي كل صلاة في وقتها قصراً بلا جمع ؛ يقصر الرباعية ركعتين . 4 - ومِنْ ذِكْر الله في هذه الأيام : التكبيرُ المقيَّدُ بعد الصلوات الخمس في جماعة ، فإذا صليت في جماعة ، فإنك تكبر بعد السلام ، وتقول : الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد ، وتكررها بعد كل صلاة فريضة مع الجماعة ، أما لو صليت وحدك فإنه لا يشرع التكبير بعد الصلاة ، فلا بد أن تكون الصلاة في جماعة . ويبدأ التكبير المقيّد في حق الحجاج من ظهر يوم النحر ، ويستمر إلى صلاة العصر في اليوم الثالث عشر ، فتكبر بعد كل فريضة تصليها مع الجماعة ، وأما بالنسبة لغير الحجاج ، فيبدأ التكبير المقيَّد من فجر يوم عرفة ، ويستمر إلى عصر يوم الثالث عشر ، أما الحجاج ، فتتأخر بدايته إلى ظهر يوم النحر ؛ لأنهم كانوا مشغولين بالتلبية قبل ذلك ، وبهذا تمَّ بيان ذِكْرُ الله في هذه الأيام . * * * طواف الإفاضة وأما طوافُ الإفاضة ، والسعيُ بعده للمتمتع والمفرد والقارن اللذين لم يسعيا بعد طواف القدوم - لأن السعي لا يكون إلا بعد طواف - فإن الأفضل أن يؤديه كل منهم يوم العيد ، وإن تأخر ، فلا بأس أن يطوفه متى تيسَّر ، ولو بعد أيام التشريق ، ولو في آخر الشهر ، فطواف الإفاضة ليس لآخره حَدٌّ ، وإنما الحد في بدايته ، حيث يبدأ من منتصف ليلة يوم النحر ليلة العاشر ، فلا يجوز طواف الإفاضة قبل منتصف ليلة العاشر ، فمن طاف قبل نصف ليلة العيد ، فلا يصح طوافه . إذن يبدأ وقته من منتصف ليلة النحر ويستمر ، وكلما بادر به فهو أحسن ، إن طافه يوم العيد فهو أحسن ، وإن طافه يوم الحادي عشر أو يوم الثاني عشر أو يوم الثالث عشر ؛ فلا بأس ، ولو أخَّره فلا بأس ، فليس لآخره حد ؛ لكن كلما بادر به ، كان أحسن . وأما ما جاء في رواية :«من لم يَطُفْ قَبل غروب الشمس يوم العيد، فإنه يعود محرماً» ، فهي رواية شاذة ، وعملُ العلماء على خلافها ، ومن تحلل من إحرامه لا يعود محرماً ، وطواف الافاضة يجوز تأخيره عند جماهير العلماء فلا يستمر الإنسان محرماً إلى أن يطوف لأن في هذا تضييق على الناس . وطواف الإفاضة ركن من أركان الحج ، لا يتم الحج إلا به . التعجل والتأخر : فإذا جاء اليوم الثاني عشر من أيام التشريق ، وأراد أن يتعجل ، فإنه إذا رمى الجمرات بعد الزوال ورحل من منى قبل غروب الشمس فلا بأس ، فقد تعجَّل في يومين بهذين الشرطين : الأول : أن يرمي الجمرات بعد الزوال . الثاني : أن يكون رحيله من منى قبل غروب الشمس ، فإن غربت عليه الشمس وهو لم يرم أو رمى ولم يرتحل ، لم يجز له الرحيل ، بل يبقى إلى يوم الثالث عشر ، ويكون متأخرا ً، وهو أفضل . فالتأخُّر أفضل من التعجُّل ؛ لأنه هو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم ، ولأن فيه زيادة عمل ، فهو أفضل من التعجُّل ، والتعجُّل جائز ؛ لأن الله تعالى قال : (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) [البقرة:203]. تنبيه : بعض الناس يأتي إلى الحج ويتكلف النفقة والسفر ثم يتلاعب به الشيطان فلا يكمل حجه ، فيسافر يوم العيد ولا يكمل الحج ويقول : ( الحج عرفة ) مستدلاً به على أنه لا يلزم ما بعده ، والوقوف بعرفة ركنٌ واحدٌ من أركان الحج فبعده أركان وواجبات لابد من الاتيان بها ، وبعضهم ينفر في اليوم الحادي عشر مستدلاً بقوله تعالى : (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) [البقرة:203] ، ولم يفهم المراد باليومين أنهما بعد يوم العيد وهما الحادي عشر والثاني عشر ، وبعضهم يتتبع الرخص التي يفتي بها بعض المنتسبين إلى العلم فيأتي بحج غير تام ، وقد يكون غير صحيح فيأخذ من الفتاوى ما يوافق هواه لا ما يوافق الدليل ويبرئ الذمة ، فعلى هؤلاء جميعاً أن يتقوا الله في حجهم ولا يتلاعبوا به ، فالله تعالى يقول : (وأتموا الحج والعمرة لله) [البقرة:196] ،  وهؤلاء لم يتموا حجهم وعمرتهم بسبب هذا التلاعب ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .  
standard