إستقبال شهر رمضان المبارك - سماحة المفتي العام


 إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى. أيها المسلم، إن الله جل وعلا خلقك في أحسن تقويم: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)؛ فضلك على كثير ممن خلق: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا)، ثم من الله عليك بنعمة أخرى هدايتك للإسلام، من عليك بنعمة أخرى هدايتك للإسلام؛ فجعلك من المؤمنين، المستجيبين لله ورسوله، القابلين لأوامر الله، المنفذين لها، الراضين بها، المطمئنين بها. أيها المسلم، جعلك الله كذلك، وأنقذك من فئة حيل بينهم وبين الهدى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ*وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ)، وأخبرنا أن هذا النوع، وإن اعطوا عقولاً وأسماعاً وأبصارا، لكنهم لم يستفيدوا منهم شيئا: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ). أيها المسلم، وأنت مسلم، مسلم يخاطبك الله، ويوجه خطابه إليك قائلاً: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). أيها المسلم، أنت فرد من هؤلاء المخاطبون، خوطبوا من رب العالمين، وجه لهم الخطب بأسمى صفاتهم وأعلاها وأشرفها، ألا وهو الإيمان: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)، إنك تقرأ هذه الآية؛ فتزداد فخراً، وشرفاً، ورفعةً، وفرحاً، وسروراً، أنك واحدا من أولئك المخاطبين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ). أخي المسلم، صيام رمضان صيام رمضان عبادة من العبادات، التي شرعها الله امتحان وابتلاء للعباد: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا)، والله غني عنا وعن طاعاتنا، لكن شرع لنا تلك الطاعة، تلك الطاعات لما فيها من مصالحنا العاجلة والآجلة، ولكن شرع لنا تلك العبادة لما فيها من مصالحنا العاجلة والآجلة؛ فالشكر له جل وعلا، والفضل له على ما شرع، والله جل وعلا له الفضل والمنة علينا، وهو غني عن طاعتنا، لكن ليظهر شكرنا له، وثنائنا عليه. أيها المسلم، فالصوم عبادة يجب أن يؤدى طاعة لله وقياما بحق الله، وشكر له على إنعامه وإفضاله، والله تعالى نوع العبادات؛ فجعل منها عبادات قولية، وعبادات فعلية؛ فالدعاء وأنواع الأذكار عبادة قولية، والعبادات الباقي، عبادات فعلية، منها عبادة خاصة بالبدن وهي الصلوات الخمس، والعبادة المختصة بالأموال وهي الزكاة، والعبادة المركبة بالمال والبدن وهو حج بيت الله الحرام، وهناك عبادة الصيام، الذي هو كف النفس عن المشتهيات، لكنه ليس سلبياً، إنما كف الطاعة، وتقرب إلى الله وخضوعاً له. أيها المسلم، نستقبل غدا -إن شاء الله- شهر عظيم، وموسماً كريماً، نستقبل شهر رمضان، ذلك الشهر الذي فضله الله على سائر شهور العام، ذلكم الشهر الذي أودع الله فيه من الخير والفضل الشيء الكثير، ذلك الشهر الذي هو ميدان للتنافس في صالح الأعمال. أيها المسلم، افترض الله الصيام على أمة الإسلام، وجعله خامس أركان الإسلام أو رابعها على حسب الرواية: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام"؛ فالمسلمون مجمعون على أنه أحد أركان الإسلام لدلالة الكتاب والسمة وإجماع أمة الإسلام على ذلك، ولا يشك، ولا يرتاب في ذلك إلا من في قلبه مرض، عافانا الله وإياكم من هذا الخلق الذميم. أيها المسلمون، الصوم عبادة تعبد الله بها من قبلنا من الأمم؛ فهو عبادة قديمة: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، لكن أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- اختصهم الله في هذا الشهر بخصائص لم تكن لأمة قبلهم، إن من قبلنا بأتباع الأنبياء حرموا صيامهم، زيادة أو نقصانا، وتغييرا في صفة الصيام، أما أمة الإسلام فإن صيامهم لرمضان، صيام على وفق ما شرعه الله، لم يحصل تبديل ولا تحريف، ولله الفضل والمنة؛ لأن الله حافظ هذا الدين: (إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). أخي المسلم، أخي المسلم، إن الله اختصنا في هذا الشهر بخصائص عظيمة لم تكن لمن قبلنا من الأمم؛ فقد بينا لنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطها أمة قبلهم: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله كل يوم جنته، ويقول: يوشكوا عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ويصير إليكِ، وتصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون فيه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة"، قيل: أهي ليلة القدر؟، قال: "لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله". أخي المسلم، فخلوف فم الصائم، أبخرة تتصاعد من المعدة بعد خلوها من الطعام والشراب، كريهة في مشام الناس، لكنها عند الله أطيب من ريح المسلك، لكونها ناشئة عن طاعة لله، ملائكة الرحمن الذين يسبحون الله الليل والنهار لا يفترون عباد مكرمون: (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)، أولئك المقربون هيئهم الله لاستغفار للصائمين؛ فملائكة الرحمن تستغفر لك أيها الصائم منذ بدء صيامك إلى انقضاء صيامك، كما أنهم يستغفرون للمصلي مدام في مصلاه: اللهم صلي عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه؛ فملائكة الرحمن يستغفرون لك، وهذا من فضل الله عليك، جنة الله يزينها كل يوم، ويهيئها نزلا للصائمين، ويقول: "يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم آذى الدنيا ومشاقها ويصير إليك فضل منه وكرما"، مردة الشياطين يغلون ويسلسلون؛ فيضعف سلطانهم ويتقلص شرهم بقولة الصائمين وعظيم ما يؤدونه من الخير، يغفر لنا في آخر ليلة من ليالي رمضان إذا نحن قمنا بما أوجب الله، ونسأل الله أن يحقق ذلك لنا بفضله وكرمه. أيها المسلم، صيامك لرمضان طاعة لله، وقربة تتقرب بها إلى الله، ولهذا الصيام فوائد عديدة؛ فمن ذلكم: أن الله جل وعلا افترض على أهل الإسلام كما افترضه على من قبلنا من الأمم فلولا شرفه وفضله وعظيم منزلته ما افترضه على عباده عموما. وثانيا: أن في هذا الشهر تطهيرا للخطايا والسيئات يقول -صلى الله عليه وسلم-: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه ومن قام رمضان إيماناً واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه"، وفي الحديث الآخر "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر"، إن كل حسنة تعملها يعطيك الله عشر حسنات: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)، لكن حسنة الصيام تتجاوز الحدود كلها؛ فإن وثواب الصائم لا يتقيد بعدد معين، ومن الصبر والصبر جزاؤه الجنة: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، يقول الله تعالى: "كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشرة أمثالها"، قال الله: "إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه لأجلي للصائم فرحتان: فرحة يوم فطره، وفرحة يوم لقاء ربه"؛ فحسنتك أيها الصائم إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة؛ فأحمد الله على هذه النعمة، إن رمضان شافع لك يوم القيامة؛ فالقرآن، والصيام يشفعان الصوم يقول: يا رب منعته شهوته بالنهار، والقرآن يقول: منعته نومه بالليل فيشفعان أن يشفع القرآن لحامله بحق، ويشفع الصوم لمن صامه بحق، قال بعض السلف: من أدرك رمضان صحيحا مقيما؛ فصام نهاره وصلى وردا من ليله وغض بصره وحفظ لسانه وفرجه ويده وذكر إلى جمعه وحافظ على الصلاة جماعة؛ فقد أدرك الشهر وأستكمل الأجر وأدرك ليلة القدر وفاز بجائزة الرب. أيها المسلم، إن نبينا صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه برمضان ويبين لهم مزاياه وفضائله فيقول -صلى الله عليه وسلم- يوما لأصحابه وقد حضر رمضان: "أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه؛ فينزل الرحمة ويحط الخطيئة ويستجيب الدعاء ينظر الله إلى تنافسكم فيه؛ فيباهي بكم ملائكته؛ فأروا الله من أنفسكم خيرا"، وقال يوما، وقد حضر رمضان: "أظلكم شهركم هذا بمحلوف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ما مر بالمسلمين شهر خير لهم منه، ولا مر بالمنافقين شهر شرا لهم منه"، إن الله ليكتب أجره ونوافله قبل أن يدخله، ويكتب رزقه وشقائه قبل أن يدخله، ذلكم أن المؤمن يعد فيه الزاد بالتقوى على الطاعة، ويعد فيه المنافق تتبع غفلات الناس، وعوراتهم؛ فهو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر. أيها المسلم، افترض الله الصيام على المسلمين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)؛ لنقف قليلا عند قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، إن الحكمة من فضل الصيام، بل من كل العبادات ليحصل؛ لكنها في الصيام أعظم وضوح: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، أي لعلكم بالصيام تكونوا من المتقين المتقربين إلى الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي الجاعلين بينهم وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمر الله والبعد عن ما نهى الله لعلكم تتقون؛ فتستشعرون عظيم هذه العبادة وتؤدونها لله بإخلاص ويقين، لعلكم تتقون؛ فالصيام يعودكم على الصبر وضبط النفس؛ فالصائم يجوع وبارد الماء أمامه؛ فالصائم يجوع وشهي الطعام عنده، ويظمأ وبارد الماء بين يديه، وتتوق نفسه ويعف عنها، ويعف وزوجته بجواره، لكن من منعه بذلك علمه بإطلاع الله عليه، وأن الله يراه ويعلم حاله، إذا فالصوم عبادة بين العبد وبين ربه، عبادة بين العبد وبين ربه، يخلصها لله رآه الناس أم غابوا عنه، إنها عبادة لله، إنها طاعة لله، إنها عبادة فيها صحة البدن وسلامته من الأخلاق، والأخلاق الرذيلة، إنها تضيق مجاري الشيطان، الذي يجري منا مجرى الطعام والشراب. أيها المسلم، كم لله من حكم فيما شرع وافترض من الأوامر؛ فعلينا الاستجابة والسمع والطاعة، إن المسلمين يستقبلون هذا الشهر، وكلهم فرح وسرور، واغتباط بأن وفقهم الله؛ فأمد في حياتهم إلى أن صاموا هذا الشهر، أدركوه؛ فليحمدوا الله عالنعمة، وليتذكروا أقواما اختطفتهم المنايا؛ فأصبحوا في بطون الإلحاد، وحيل بينهم وبين هذا الصيام؛ فيا من بلغه الله صيام رمضان اشكر الله عليه هذه النعمة، واحمده على هذا الفضل والتوفيق، واسأله أن يوفقك فيه لصالح القول والعمل. ;اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ووفقنا فيه لصالح الأقوال والأعمال، اللهم وفقنا فيه لصالح الأقوال والأعمال، إنك على كل شيء قدير. ;أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه، وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم. ; الخطبة الثانية: إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأِشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. ;أما بعد: ;فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى. عباد الله، إن الله جل وعلا افترض الصيام على مرحلتين؛ فكان في أول الإسلام من شاء أن يصوم، ومن أحب أن يطعم عن كل يوم مسكين، ولكن الصيام أولى من الإطعام، ثم إن الله نسخ هذا التخير، وأوجب الصوم على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم ليس فيه ما يمنع الصيام من مرض أو غيره؛ فأوجب الله الصوم، ونسخ ذلك التخيير: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)، أي فليس العام كله، ولا نص العام، ولا ثلث العام، ولكنه شهر من اثني عشرة شهرا: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، ذلكم يا عباد الله، أن الله جل وعلا حكيم عليم رؤوف بالعباد؛ فأوجب الصيام على المسلم البالغ القادر المقيم الخالي من الموانع، لكنه عذر المسافر؛ فأباح للمسافر أن يفطر، ويقضي أياماً أخر، وأباح للمريض أن يفطر، ويقضي أياما أخر ذلكم أن الناس بالصيام على أقسام: فأولاً: المسلم البالغ القادر المقيم هذا مخاطب بالصيام أداء في وقته، هذا بإجماع المسلمين، الصغير دون البلوغ يرغب بالصيام ويحث عليه، كان الصحابة يصومون صبيانهم، ويعطونهم اللعب ليشغلونهم عن الطعام والشراب حتى ينشأوا على حب العبادة: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر"، من كان صغيرا؛ فإن صيامه نافلة، ومن ذهب عقله كالمجنون؛ فهو غير مخاطب بذلك، أما العاجز عن الصيام؛ لكبر سنه أو مرض يعجزه عن الصيام، ويقرر الأطباء أن الصيام مع هذا المرض يؤدي خطورة على حياة هذا الإنسان؛ فإن الله أباح للمريض أن يفطر، ولكن هذا المريض إن كان مما يغلب على الظن الشفاء على ذلك المرض؛ فليس مرضا خطيرا؛ فإنه يفطر ويقضي أيام أخر، وإن كان هذا المرض مرضا خطيرا لو صام معه المريض لأدى إلى هلاكه، كالمصابين بأمراض الكلى والسرطان وغيره من الأمراض الخطيرة؛ فإنهم يفطرون ويطعمون عن كل يوم مسكينا؛ لأن الله يقول: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، هذا في حق المريض، هذا كان في أول الإسلام ثم لما نسخ في حق القادرين بقي في حق العازف عن الصوم لكبر سنه أو مرضه الخطير الملازم له، الذي لا يمكن أن يصوم معه، أما فاقد الذاكرة الذي فقد ذاكرته، كالمصابون بالجلطات وأمثالها، وأصبحوا في اغماء عميق لا يدركون من حولهم؛ فهؤلاء لا صيام ولا إطعام عنهم، والمسافرون له أن يفطر، ولكن إن رأى الصوم أنسب لحاله وأرفق به من أمر القضاء؛ فله أن يصوم، وإن رأى أن الفطر أرفق به، فله أن يفطر، قال أنس: " كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمن الصائم ومنا المفطر فلم يعد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم"، والمرأة إذا أتاها الحيض؛ فإن ذلك مناف لصيامها؛ فيجب عليها أن تفطر وتقضي أياما أخر، لكن لو لم يأت دم الحيض إلا بعد غروب الشمس ولو بدقائق؛ فالصوم صحيح، ولو أتى الحيض قبل غروب الشمس بدقائق؛ فإن الصوم يفسد، وعلى الحائض لو طهرت في أثناء اليوم أن تنوي الصيام، وإن كان يجب عليها القضاء لكنها داخلة في عموم قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، والمرأة النفساء أي انقطع دم النفاس، ولو قبل استكمال الأربعين وجب عليها أن تصوم، ولو جاءها الدم ثاني أفطرت مادامت في مدة الأربعين النفاسية. أيها المسلم، عليك تقوى الله في صيامك، وتحري الإخلاص لله في ذلك، وأن تكون صادقا في تعاملك مع ربك؛ فإن الله مطلع عليك يعلم سرك ونجواك، نسأل الله أن يجعلنا ممن عامله بالصدق والإخلاص: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا* لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ). أيها المسلمون، أيها المؤمنون، كون أعداء الإسلام أعداء لنا هذا أمر ليس بالغريب؛ فأعداؤنا بالأمس هم أعداؤنا باليوم، وإن اختلفت أساليبهم باختلاف الأحوال والأزمان، لكن عداوتهم لنا أمر كامن في نفوسهم، قال جل وعلا: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا)، (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر)؛ فكون الشر يأتي من الأعداء هذا ليس بالغريب ولا بالمستبعد، ولكن المستبعد –حقيقة-، والغريب –حقيقة- أن يأتي الشر والبلاء للأمة من بعض أبناءها، أن يأتي الشر والبلاء من الأمة من بعض أبناءها، أأعداأمن بعض من ينتسبون للإسلام، ومن بعض من أبواهم مسلمان، وعاشوا في بلاد الإسلام، ونعموا في هذا الرغد والعيش الهنيء، وهذا الأمن والاستقرار، إن الغرابة أن تكون فئة من أبناء المسلمين انطوت ضمائرهم على الحقد على الإسلام وأهله، وامتلأت قلوبهم غلا على الإسلام وأهله، وحسداً للأمة على ما هي فيه من نعمة الإسلام والأمن والاستقرار ورغد العيش، فئة انحرفت أخلاقها، انحرفت عقيدتها، وانحلت أخلاقها، وساء تصرفها، وقل حياؤها، وانعدمت ضمائرهم، أناس ألقوا بأيديهم للأعداء، واستسلموا لمكائد الأعداء، ومخططاتهم الرهيبة ضد الأمة، ضد الدين والأمن، ضد الاستقرار والخير، ضد رغد العيش، ضد كل نعمة تنعم بها هذه الأمة، هذه الفئة الضالة، والتي للأسف الشديد يوجد من بعضها من يحمل شهادات علمية في فنون مختلفة، أين العلم؟ وأين آثار العلم؟ أين العلم؟ وأين آثاره؟ انعدم ذلك كله؛ لأن أولئك تمكن الإجرام في نفوسهم، واستطاع الأعداء أن يسيطروا على أفكارهم ويسيروهم، كيف يشاؤون؟ كأنهم ماشية، لا يدرون إلى أين يذهب بهم إلى أين يذهبوا بهم، انحلت الأخلاق، وانحرفت العقيدة، وساء التصور، وضعف الإيمان، أناس يريدون أن يضربوا الأمة في صميمها، أناس يخططون لأمور قبيحة، يريدون زعزعة أمن هذا البلد وخيره، ويأبى الله والمؤمنون ذلك إنها فئة مجرمة بلا شك إنها فئة ضالة بلا شك، وإنها فئة مفسدة بلا شك، وإنها فئة مجرمة طاغية ظالمة، يجب أن تأخذ حقها في شرع الله: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)؛ لأن كانت الجهات الأمنية قد وفقها الله لهذه المباغتات العظيمة والسبق العظيم، الذي هو مضرب المثل دليل على رحمة الله لهذه بالأمة وفضله عليها، أن هيأ أولئك الرجال، الذين فاجؤوا المجرمين في أوكارهم وسيطروا عليهم وأبانوا عوراتهم وقاموا به خير قيام، إن الأمة تستفز في دينها؛ فمروج المخدرات، أن نسمع كل حين عن مباغتة لهم فيما أتوا فيه من هذه المخدرات، لتدمير كيان الأمة والقضاء على أخلاقها وفضائلها، لكن الله هيأ لها الرجال الصادقين الذين تعاملوا معهم في كل أنواع المعاملة؛ لأن أولئك مروجي المخدرات عندهم أساليب مختلفة ومتعددة، إلا أن الله هيأ لها من يكشف عورها، ويفاجئها قبل أن تبث شرها كل ذلك من فضل الله؛ فنرجوا الله لرجال أمننا التوفيق والسداد والعون على كل خير، وأن يجزيهم عما قدموا للإسلام وحموا بلاد المسلمين خيره، ثم لما علموا أن هذه المخدرات لا مجال لها جاؤوا بهذه الأسلحة الفتاكة الإجرامية، التي جعلوها في ضواحي البلاد، لكي ينقضوا بها على الإسلام وأهله، جرم عظيم، وفساد ذريع لا يرضى به مسلم يدين لله بالإسلام، إن الواجب على الأمة أن يكون كل فرد في يقظة وانتباه واهتمام لكل من يريد بالأمة سوءا؛ فالحياة للجميع والأمن للجميع؛ فيجب أن نكون يدا واحدة متكاتفين مع قيادتنا الموفقة، ونرجوا الله أن يوفقهم ويعينهم ويسدد خطاهم، إننا اليوم نشكو من جرح بالأمة، هذه بلاد الإسلام، وهذه الأخبار تحمل لنا أخبار مزعجة، ماذا جرى في العراق من أيام؟ وماذا في الصومال؟ وماذا في الأفغان؟ وماذا في باكستان؟ وماذا؟ وماذا؟ أيريد أولئك أن يصيروا هذا البلد بأن يعيش تحت وطأة أولئك المجرمين، الذين قتلوا الأبرياء بهذه العمليات الانتحارية، قتل الآلاف من الأبرياء بلا ذنب، أيريد أولئك أن يصيروا بلادنا كذلك؟ يأبى الله والمؤمنون ذلك؛ فالأمة مرتبطون ولله الحمد، ورجال أمنها ممثلة في وزير الداخلية ومساعديه لهم منا الدعاء عما قاموا وبذلوا من جهود عظيمة، وأعمال طيبة في مباغاة المجرمين والقضاء عليهم. ;نسأل الله، أن يهدي ضال المسلمين، وأن يثبت مطيعهم المهم أن يعلم كل مسلم أن الفساد والبلاء جريمة نكراء يرفضها الإسلام ولا يقرها، وأن من يرضى بها إنما مصاب في دينه وعقله. ;نسأل الله، أن يحفظ بلادنا من كل سوء، اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أأمتنا وولاة أمرنا ووفقهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين واجعل هذا البلد آمن مطمئنا وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. واعلموا، أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ، شذ في النار. ;اللهم وفق إمامنا إمام المسلمين عبد الله بن عبدالعزيز لكل خير، اللهم أمده بعونك وتوفيقك وتأييدك وكن له عونا ونصيرا فيكل ما أهمه، اللهم شد أزره بولي عهده سلطان بن عبدالعزيز وبارك له في عمره وعمله والبسه بالصحة والسلامة والعافية، اللهم وفق النائب الثاني نايف بن عبدالعزيز لكل خير وأعنه على مسؤوليته وجازه عما قام به خيرا من هذه الأعمال الطيبة الذي استطاع بفضل الله القضاء على طرق الشر وأهل الفساد، الذين أرادوا بالدين والأمة كل شر؛ فكفى الله المؤمنين شر الأشرار. ;اللهم أهل علينا رمضان بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام وأعذنا فيه من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ووفقنا فيه لصالح الأقوال والأعمال إنك على كل شيء قدير، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون؛ فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على عموم نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. ; للاستماع للخطبة ;


http://www.af.org.sa/sites/default/files/313131.mp3